إذا وجدت ثمة إمكانية في أن يستطيع المسلمون الأتراك قبول اندماج عثماني يصبح فيه المسيحيون أندادا لهم فإن ذلك يعود إلى دافعين قويين في تراثهم الديني وتطوره، فقد ورث الأتراك كغيرهم من المسلمين موقفا متسامحا مع «أهل الكتاب، وهم أولئك الذين لهم كتاب سماوي ويدفعون الجزية إلى الحكومة المسلمة، كالمسيحيين واليهود، وقد قدمت الحكومة العثمانية في أوقات مختلفة ملاذا لغير المسلمين وخاصة في القرن السادس عشر، إلى اليهود الذين طردوا من اسبانيا. وكان التركي يقول للمسيحي في الغالب: «لك دينك ولي ديني). >
وقد قوي من موقف التسامح في أوساط الشعب تلك الدرجة من التوفيق الديني الذي وجد في الأناضول وفي البلقان أيضا منذ الأيام الأولى للتوسع التركي. وترافق التمازج في الإمبراطورية العثمانية بتمازج ديني من كل نوع. ولم يكن الإسلام الشعبي بين الأتراك اصولا من وجوه عديدة ولم يكن يحمل سمات التصرف الشيعي وحسب بل كان يصدق كثيرا من قصص المعجزات المسيحية المتنوعة والقديسين والمزارات. وكان انتشار الطريقة البكناشية التي اتبعها سبعة ملايين مريد والتي اشتملت ضمن معتقداتها على كثير من المفاهيم الدخيلة، قد أعان على خلق مناخ متعاطف مع المسيحية والمسيحيين. وفي مرحلة التنظيمات فوجئت بعثات تبشيرية أمريكية كانت تعمل في الإمبراطورية العثمانية إذ اكتشفت ما ظنته في أول الأمر حفلا خصالتزعتها الإنجيلية، مجموعات من المسلمين يقرؤون الإنجيل أو يستمعون إلى عظات المسيح من زعمائهم. وكان بعض هؤلاء من البكتاشيين وكان لبعض هذه المجموعات التي ليست بکتاشية بالضرورة عشرة آلاف مريد وضعف هذا العدد من الأنصار (3)
وعلى الرغم من هذا التسامح والترعة التوفيقية ظلت بين الأتراك مشاعر إسلامية حادة كان يتفق لها أن تنفجر في شكل نعصب واسع المدى. وكان يتفق لهذه الانفجارات أن تحدث بصفة خاصة في أوقات الأزمات السياسية وخاصة في سنوات 1870 عندما أحدثت الفوضى الداخلية في الإمبراطورية والضغط الخارجي عليها ردة فعل إسلامية