الصفحة 222 من 950

في كونهم رعايا تابعين للحكومة السلطانية وتمضي الأوامر إلى أبعد من ذلك فتحض على الاحترام المتبادل وتكريم كل منهم للآخر. وعلى الجميع أن يقيموا بجانب بعضهم بعضا تسود بينهم الحبة الأخوية (44) لقد كان هذا الإعلان الصريح، على طريقته تلخيصا السياسة المساواة الرسمية بين أتباع جميع المعتقدات، ومفهوم المواطنة العثمانية، وللمادة المتعلقة بمنع تشويه السمعة، كما يكشف عن الفهم الكامل لدى حاكم المقاطعة لما أعلنته الحكومة المركزية. اما توجيه السلطات أمرها إلى الناس بأن يعيشوا معا في محبة أخوية فذلك شيء يمكن إصداره بلا ريب ولكن لا يمكن تنفيذه بالقوة

وثمة مقياس آخر للمواقف التركية من مسألة مساواة المسيحيين نجده في آراء المشاركين في مؤامرة 1859، التي كشفت عنها السلطات وكانت موجهة ضد السلطان عبد المجيد ووزرائه، كان هناك نيف وأربعون مشارگا كثير منهم ضباط في الجيش وأساتذة في الدين الإسلامي وطلاب اعتقلوا جميعا. وقد كشف التحقيق عن حالة من عدم الرضا بين أفكارهم الغالية عن الحكومة العثمانية من أكبر أسبابها الإعلان عن المساواة مع المسيحيين، إذا ما نيست باي سبب آخر منفرد. وقد أشار الشيخ أحمد الذي كان الزعيم الروحي للمتأمرين ومنظرهم إلى أن المراسيم الإصلاحية عام 1839 وعام 1809 ثعد انتهاكا للشريعة الإسلامية لأنها جعلت للمسيحيين حقوئا متساوية مع المسلمين. كما ورد في أقوال متأمر آخر أن الشيخ أحمد كان يعلم في المدرسة أن المسيحيين حصلوا على هذه الأمنيازات مساعدة القوى الأجنبية (45) ، ولقد زودتنا، حادثة القللي -كما جرت من بعد تسمية المؤامرة المجهضة - مؤشر جيد على انتشار المواقف التركية، إذ كشفت عن استياء غير محدد من مجرد مفهوم المساواة، وعن مساندة واعية للشريعة وعن إدانة للحكومة بسبب مراسيمها الإصلاحية وبسبب خضوعها للنفوذ الأجنبي (46) . إن مذهب المساواة بدا سيئا ويكفي لذلك سببا أنه، أعلن المساواة بين إتباع ديانات لم تكن متساوية. أما العثمانية كمفهوم سياسي محض لولاء الشعوب من جميع المعتقدات لحاكم بعاملهم على قدم المساواة، فكانت غير واقعية لأن المفهوم التقليدي اللعثماني، كان يحمل دائما مضامين الأصولية الإسلامية كما يحمل معنى الإخلاص للدولة العثمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت