الصفحة 254 من 950

بالوانها. كما أننا نرجع في كثير من الأحيان إلى تقارير الدبلوماسيين والقناصل الأجانب وإلى الموظفين الأوروبيين في كل من الدولة العثمانية ومصر. وتتضمن تلك التقارير في هذه المرحلة معطيات أكثر أهمية مما مضى فيما يتعلق بالتاريخ السياسي والاقتصادي (ونادرا ما تكون هامة فيما يخص تاريخ الفكر) . لقد كان من الصعب حتى على سفير جاد وحسن الإطلاع في القرن السابع عشر أن يعرف ما يجري حقا في «السراي، أما في القرن التاسع عشر فقد أصبح سفراء القوى العظمي وقناصلها غير قانعين بتكرار المعلومات التي التقطوها صدفة ومن مصادر غير مقرية بل قضي تعاظم نقل المصالح الأوروبية في الشرق الأوسط أن تكون حكومات أوروبا على إطلاع کامل و دقيق بما يجري. كما أن رغبة الحكومة العثمانية والحكومات التابعة لها في مصر وتونس) في المحافظة على استقلالها وإصلاح أساليبها اجبرتها هي وحكامها المحليون على أن تشرك مثلي الدول الأوروبية جزئيا في أسرارها.

إن عملية التغيير التي جرت في هذه المرحلة كانت شيئا لم يفهمه سكان الإمبراطورية والدول التابعة لها حتى الجزء المثقف منهم. فقد كان تغييرا مفروضا من الأعلى ولم يكن مقبولا بعد من معظم فئات السكان الذين تقبلوا منهج القانون والإدارة ولم يتقبلوا تنظيم المجتمع، وقد تبدلت لهذا السبب طبيعة مصادر الأدبيات الشعبية وقيمتها، واستمر التقليد الإسلامي في كتابه الأحداث اليومية والسير الذاتية والوصف زمنا ما، وإذا استثنينا الجبرتي، يمكن الإشارة إلى جيل متأخر من أمثال ابن أبي الضياف في تونس والبيطار في دمشق و سليمان فائن في بغداد وعلى مبارك في القاهرة وكتاب التاريخ الرسميين في استنبول، لكن هؤلاء الذين يكتبون تبعا للتقاليد الدينية أصبحت تربطهم بالسلطة علاقة مختلفة، فقد اهتز الإيمان بوجود مستمر لأمة إسلامية قوية مستقلة بحرسها الله، واخد يضعف الحافز إلى تسجيل أسماء وفضائل أولئك الذين حافظوا على تراث الإسلام عبر التاريخ ونقلوه إلى الأجيال، وإذ رأى رجال الثقافة القديمة أن حكامهم اصبحوا غرباء عنهم في طرائق تفكيرهم فلم يعد ممكنا ولا مرغوبا تسجيل أعمالهم، كما ظهرت من جهة أخرى مدرسة جديدة من الكتاب المسيحيين في سوريا ولبنان وهي نتاج ثقافة جديدة اغتنت بتعليم أفضل للغة العربية واللغات الأجنبية وطرائق تفكير أوروبا، ولكنهم كانوا بعيدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت