الصفحة 258 من 950

خارج المدن الكبرى في السائدة، تنبتنا عما كان يريده الحكام والرسميون ان يحدث وليس عما حدث في الواقع، ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسالة امتلاك الأراضي كما بينها الأستاذ لامبتون (2) Lambton إذ لم تكن العلاقة القائمة بين المالك والفلاح متلائمة أبدا مع نظرية الملكية كما نص عليها القانون؛ سواء قانون الشريعة أو القانون الحديث. وسوف نؤكد مرة أخرى على وجوب التعامل مع تقارير الدبلوماسيين والقناصل بحذر لأن الذين كانوا يكتبونها مثلين هم أنفسهم في العملية السياسية ولم يكتبوا تقاريرهم ببساطة تسجيل تاريخي للأحداث بل كتبوا ليبرروا أنفسهم في الغالب أمام حكومتهم أو لإقناعها بتبني خط ما في العمل بل إن السفراء والقناصل اتجهوا فضلا عن ذلك نحو الدخول في صراعات الأحزاب في الحكومة المركزية أو المحلية وعکسوا بذلك (وأحيانا أكثر مما كانوا يعلمون) وجهات نظر الحزب الذي كان يتوقع منهم المساعدة وكانوا هم قد وجدوا إليه مدخلا

ثمة قصور عام في معظم مصادرنا وهو ما يهمنا هنا بالتحديد، ذلك أن صوت جزء هام من السكان يندر أن يسمع فيها، أو أنه سمع بصورة مشوهة أو خرساء أو غير مباشرة وحسب وهو صوت سكان المدن المسلمين وتقاليدهم وزعماؤهم الطبيعيون، أو الوجهاء المدينيون. ونضرب لذلك مثلا، فمن جميع وثائقنا الكثيرة عن أحداث عام 1890 في سوريا ولبنان يمكن أن نكتشف مع بعض التدقيق مواقف وردود أفعال الموازنة والدروز والترك والحكومات الأوروبية. لكن نادرا ما يكون لدينا سجل أصيل لموقف السكان المسلمين وزعمائهم، إذا استثنينا كتابا مختصرا ألفه محمد ابو السعود الحسيبي وبعض المقاطع في مجموعة السير الشخصية التي ألفها البيطار، وكذلك الأمر فيما يتصل بمحمد علي، نستطيع أن نستقري بالتفصيل من المواد الكثيرة التي تملكها، تطور كل جانب من سياسته ونشاة الطبقة الحاكمة الجديدة ولكننا لا نستطيع أن نتعرف بسهولة كيف كانت ردة فعل سكان المدينة المسلمين وزعمائهم حيالها. ولا بد انه كانت هناك ردة فعل ما ونحن تقف على آثارها في الصفحات الأخيرة من كتاب الجبرني أو عندما أرسل عمر مكرم إلى المنفى، إلا أنه ليس سهلا بناء أي شيء من هذه اللمحات وتبقى الصورة المألوفة التي تملكها عن مصر في الفرن التاسع عشر صورة منقوصة. ففي أحد جوانبها نلمح نموا تدريجيا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت