فعالية سكان المدن السياسية تستمر عبر القرن الثامن عشر وتلقي بثقلها في مرحلة ما بين الثورة الأولى ضد الحكم الفرنسي وبين الحركة التي حملت محمد علي إلى السلطة وفي فترة متاخرة في اعوام 1870 نلمح ارتفاعا مفاجئا في تلك الفعالية، أما فيما بين ذلك فلا شيء عملاء بل فراغ سياسي.
إنها فجوة هامة في معرفتنا نتصل بالسياسات الدينية التي اتبعتها المقاطعات العثمانية أي المقاطعات المسلمة على الأقل) ولن نتمكن من فهمها إلا عندما نرى تلك السياسات في لغة السياسات الوجهاءه أو بتعبير ماكس فيبر النبلاء Patriciate وهناك أمثلة عديدة في التاريخ على سياسات النبلاء. إنها تختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر وإن كانت تجمعها في الغالب بعض الأمور المشتركة، ويبدو أن هذا النمط من السياسات بظهر عندما تتوفر بعض الشروط: أولا عندما يكون نظام المجتمع منسما بعلاقات التبعية الشخصية فالحرفي في المدينة ينتج بصورة رئيسية لحساب النبلاء البارزين والفلاح في الريف سواء كان حرا اسما أم لا بنتج لحساب مالك الأرض أيضا إما لأنه لا يستطيع أن مول نفسه بدون ذلك أو لأن المالك يمسك بمقاليد سوق المدينة. ثائيا عندما يكون المجتمع تحت سيطرة الوجهاء المدينيين أي العائلات الكبيرة (على غرار تلك العائلات الإيطالية في القرون الوسطى ولا تشبه مثيلاتها في فرنسا وإنكلترا القرون الوسطى) ممن يقيمون في المدينة بشكل رئيسي ويستمدون معظم قوتهم منها ولأن وضعهم في المدينة ينبح لهم أن يهيمنوا أيضا على مناطق ريفية نائية، وثالا عندما يمتلك هولاء الوجهاء بعض حرية العمل السياسي، وتتخذ هذه الحرية أحد شكلين. أن تكون المدينة متمنعه بحكم ذاتي ويكون الأعيان حكامها أي حكم النبلاء بالمعنى الواسع لتسمية ماكس فيبر. أو أن تكون المدينة خاضعة لسلطة ملكية إلا أن السكان المدينيين يريدون ويقدرون على فرض قيود عليها أو يمارسون بعض النفوذ.
ونحن نجد الحالة الثانية في التاريخ الإسلامي. فإذا استثنينا حالات نادرة جدا، لم تجد جمهورية يحكمها نبلاء، بل ملكية متجذرة في مدينة أو أكثر وتحكم اريافها الثانية بالتعاون مع، ولمصلحة، الطبقات المسيطرة، ونجد في مثل هذه الظروف بعض صيغ العمل السياسي النمطية، حيث يتمثل نفوذ الأعيان السياسي في عاملين اولهما أنه لابد لهم من