أعيان كما عرفناهم بل كانت شيئا مختلفا، سياسات بلاط أو بيروقراطية. إن «الزعماء السياسيين الذين شكلوا اتحادات وتصدروها وكافحوا في سبيل السلطة كانوا هم أنفسهم خداما للحاكم واستمدوا جوهر قوتهم منه وليس من وضعهم المستقل في المجتمع. لكن الطريق إلى السلطة والزعامة داخل الحكومة تغير من عصر عثماني إلى آخر کمابين ذلك الأستاذ إيتزكوفيتز (3) ltzkowitz، ففي القرن السادس عشر كانت الطريق تمر عبر المدارس وخدمة القصر اما في القرن الثامن عشر فقد بات مألوقا أن يصعد رجال من الخدمة المدنية إلى القمة.
وقد انخلت السلطة العثمانية شكلا آخر في مراكز الولايات إذ كان التمييز هناك بين العسكر والرعايا، يحمل معه كثيرا من الأصوات الخافتة، عرقية ودينية وغيرها. فالحكام العثمانيون والموظفون باترون من أماكن بعيدة جدا ويتكلمون لغة مختلفة في أغلب الأحيان، ولا يمكثون اما كافيا لتضرب جذورهم في الأرض ولم تكن القوات الجاهزة لديهم والتي يستطيعون الاعتماد عليها كافية لفرض سلطتهم، بدون مساعدة، وكان عليهم لكي يحكموا الجميع أن يعتمدوا على وسطاء محليين وقد وجدوهم جاهزين على الفور. إن البلاد التي استولى عليها العثمانيون في آسيا وإفريقيا على الأقل كانت بلادا ذات ثقافة إسلامية عريقة وتقاليد متصلة في الحياة المدينية والوجود السياسي المنفصل ولم يحاول العثمانيون عندما جاؤووا أن يمحوا العادات المحلية الجيدة أو يتمثلوها بل حاولوا الحفاظ عليها وحتى إحياءها، وفي ظروف كهذه تضطر فيها السلطة إلى الاستعانة بالمساعدة المحلية لترسيخ نفسها، يمكن السياسات الوجهاءه أن تزدهر.
ولكن من هم أولئك الوجهاء؟ إن مفهوم الوجيه كما سوف نستخدمه مفهوم سياسي وليس اجتماعيا ونحن نقصد به ذلك الذي يستطيع أن يلعب دورا سياسياما كوسيط بين الحكومة والشعب وزعيما -إلى حد ما- لسكان مدينيين، ويحدث أن تتمكن من لعب هذا الدور فئات مختلفة في ظروف مختلفة وهي تمتع بنوع مختلف من القوة الاجتماعية فقد كانت الولايات العربية تشتمل على ثلاث فئات من هذا النوع، كان هناك أولا الناطقون التقليديون باسم المدينة الإسلامية وأعني العلماء الذين يستعدون قوتهم من مركزهم الديني. وكانت الحكومة العثمانية تحتاج إليهم فهم وحدهم القادرون على إضفاء الشرعية