ومهما يكن المصدر الذي انبثقت عنه أي من هذه الزعامات المحلية الثلاث فسوف تجدها تمارس نشاطها السياسي بالطريقة نفسها، فزعماؤها أو ممثلوها أعضاء في الديوانه الحكومي وبذلك يؤمنون مدخلا رسميا إلى الحكومة، ومن جهة أخرى يقيمون اتلاقا حول نواة قوتهم المستقلة الخاصة، مؤلفا من عائلات أخرى ذات وجاهة ومن العلماء وقادة القوات المسلحة وكذلك المنظمات التي تحتضن قوة السكان الفاعلة. وبعض مجموعات الحرفيين (وخاصة الجزارين) . وأصبح الإنكشاريون مجموعة شعبية في الأماكن التي وجدوا فيها، وشيوخا لأكثر الأحياء شعبا وهؤلاء يعبثون غير رسميين للراي العام ومنظمون للعمل الشعبي الذي سرعان ما يعود تحت اسم او آخر إلى ماضي المدينة الإسلامية البعيد، بل قد تمتد هذه التركيبة إلى أبعد من المدينة وتنتشر إلى اريائها المباشرة وتضم رؤساء القبائل البدوية وشيوخ الجبال إلا أن هذه التركيبية غير مستقرة فالقرى التي تنجذب إلى فلك وجيه يمكنها أن تخرج منه لتدور في فلك آخر أو أنهم يصبحون هم أنفسهم وكلاء مستقلين، وقد يعودون إلى تبعية مباشرة للحكومة.
ويهدف هذا الوصف على جميع مراكز الولايات ولكن ثمة اختلاف كبير بين ولاية واخرى من حيث المجموعة التي تسلم القيادة من بين المجموعات الثلاث التي ذكرناها، وإلى أي مدى تبتعد في تصرفها حبال الحكومة العثمانية في القبض على زمام السلطة بصورة كاملة ودائمة، وفي أحد الأطراف القصبة ولايات شمال إفريقيا التي أتاح بعدها عن استنبول وفقدان الأسطول العثماني سيطرته على البحر المتوسط، لبعض القرى المحلية فيها أن تستأثر بالحكومة وتحكم باسم السلطان وتتقلد منصبه وتسلم الحكم إلى من تختاره من حلفائها
وفي القاهرة كان الوضع أكثر توازنا، والحق أن السلطة العثمانية المحلية كانت ضعيفة بالقياس إلى المرحلة الأولى ولم تكن قادرة على الاحتفاظ بجيش جاهز كبير بما يكفي الفرض سلطتها. لكن مصر مع ذلك كانت من الأهمية في نظر العثمانيين ولاسباب عديدة، بحيث لا يمكن أن يتركوها تضيع وكانت القوة البحرية العثمانية لا تزال قوة يحسب حسابها في شرقي البحر المتوسط وكذلك كان السلطان ما يزال يتمتع ببعض الاحترام باعتباره مدافعا عن الإسلام السني وحاميا للأماكن المقدسة، كما أن الحكومة