العثمانية ما فتئت قادرة على تأكيد سلطتها سواء عن طريق القوة المباشرة أو موازنة المجموعات المحلية بعضها ضد البعض الآخر. إلا أن الإدارة العثمانية في مصر لم تستند إلى اسس اجتماعية من العسكريين الأتراك السيطرين على الأراضي، كما كانت تفعل في الأناضول والبلقان وهكذا أمكن لبعض الزعماء الحليين أن يبرزوا وأن يأملوا بتوطيد مرکزهم وتقويته بوضع أيديهم على الأراضي وعلى ضريبتها. وقد أوضحت الكتابات الحديثة التي قام بها الأساتذة آبالون Ayalon وهولت Holt وشو Shaw طبيعة هذه الزعامة المحلية وتطورها، فهي لم تأت من خلال الطبقة الدينية ولا من زعماء السلك العسكري. صحيح أن الزعماء الدينيين (سواء شيوخ الأزهر أو رؤساء العائلات التي تتوارث زعامة
الطرق الهامة (*) ، كانت في أيديهم بعض الأسلحة كالعلاقة بينهم وبين التجار المسلمين الذين يقومون بالتجارة في نهر النيل والبحر الأحمر، وکسيطرتهم على الأوقاف، والرابطة الوثيقة مع سكان المدن الصغيرة والأرياف، والاحترام الأكيد للمحتد الديني والتعليم. لكن تجربة الحكم العسكري الطويلة وتقاليد العلماء السنيين علمتهم أن يلعبوا دورا مکتوم وثانويا وعلمت الشعب أن يبحث في مكان آخر عن الزعامة السياسية وكان لدي زغماء الأفواج السبعة بعض الميزات الواضحة إلا أن التضامن فيما بينها لم يعد كافيا لتزويدها بالعصبية، الضرورية لكل من يأمل في القبض على زمام السلطة، وذلك بعد أن بدا السلك العسكري ينسحب إلى داخل المجتمع المصري والانضباط العسكري بتراخي. وكانت المجموعات الوحيدة التي تملك العصبية المطلوبة، في غياب العائلات المحلية التي لها زعامة تقليدية، هي الأسر المملوكية. ولم يكن هؤلاء هيئة عسكرية ولكنهم نخب اوجدها رجال يملكون قوة سياسية أو عسكرية وهي مؤلفة من رجال أحرار يلتحفون بخدمة رؤساء الأسرة المتابعين ويجمعهم تضامن فيما بينهم يمكن أن يستمر طيلة حياتهم وقد انتج التدريب وتقاليد الأسرة أفرادا عرفوا كيف يجمعون حولهم زعماء دينيين وقادة أفواج و طوائف شعبية ووراء كل هذا واحدا أو آخر من تحالفات ريفية مهلهلة انصف حرام» و «نصف سعد Saad، وعندئذ ومع هذه التركية، عرفوا ايفا كيف يوطدون قوة فعلية وكيف يحصلون لهم ولأتباعهم على رتبة «بك من الحاكم ومن بعدها يصلون إلى
(*) المقصود هنا هو الطرق الصوفية التي كانت منتشرة في مصر وغيرها.