ولاءات متناحرة فيما بينها مما مكن الأسر المملوكية من النمو واستعادة السلطة من الحاكم المحلي أو التأكد على الأقل من أن ممارسة الحكم تأتي في مصلحنها وتمكنت في بعض الأحيان من الثورة على الحاكم وأن تنجح في حكم المدينة الفترات قصيرة (في حلب مرات عديدة وفي دمشق عام 1830) .
وكانت هذه الطبقة في كل من دمشق وحلب ممثلة في ديوان الحاكم ومن هنا كان مدخلها إلى الحاكم وكان أعضاء الديوان في حلب يتألفون من: المحصل، وهو وجبه محلي ملتزم لاكبر جزء من ضرائب الأراضي واسردار الانكشارية وسوف نرى أنه كان بنائر بنفوذ الوجهاء، و «المفتي» و «النقيب، والعلماء الرئيسيون والأعيان بالمعنى الفني المحدد أي أولئك الوجهاء الذين كانوا يتوارثون عضوية الديوان. وكان الديوان في دمشق يشبه في تركيبه ديوان حلب، لكن الوجهاء هنا لم يكونوا يملكون مجرد الوصول إلى الحاكم بل انهم كانوا في مركز لا يسمح له أن يحكم بدونهم. فقد كانوا يسيطرون على مصادر القوة في المدينة وليس على الطبقات الغنية والمعترف بها وحسب بل على جمهور العامة أيضا. وكانت ممارسة هذه السيطرة تتم عبر المؤسسات الدينية والأحياء الشعبية وعبر الانكشارية فوق كل ذلك، وكان هناك تمييز رسمي في كلتا المدينتين بين القبقول Kapikul وهم الانكشارية الإمبراطورية وبين البيرلي Yerliye وهم المساعدون المحليون أو ابناؤهم. وقد فقد هذا التمييز معناه في حلب على كل حال، ففي كلتا المدينتين كانت المجموعة المحلية خاضعة للتأثيرات المحلية في حين كان القبقول في دمشق جيوشا إمبراطورية أرسلت من استنبول ولكنهم لم يكونوا تحت إمرة الحاكم المحلي وإنما يخضعون لسيطرة
أغراتهم، البعيدة في استنبول مما ساعد على أن يكونوا هم أيضا عرضة للضغوط المحلية وكان لهم في كلتا المدينتين روابط وثيقة تربطهم ببعض أنواع التجارة (وستصادف هنا مرة أخرى الجزارين الذين لا يخلو منهم مکان) وبعض الأحياء الشعبية حيث يتجمع مهاجرون من الريف وآخرون يعملون في القوافل التجارية: كأحياء البنقوسة وباب النيرب في حلب والميدان في دمشق، وكان القنصل الفرنسي يسميه الضاحية الثائرة في المدينة. وكان الوجهاء يستطيعون من خلالهم أن يصدروا أوامر عامة أو بلغوها، ويسيطرون على نظام الضرائب المدينية منذ أن أنيط جمعها بشيوخ الأحياء والحرفيين.