الصفحة 284 من 950

من الواضح أن إصلاحات مرحلة التنظيمات في الإمبراطورية العثمانية والإصلاحات المماثلة في مصر (وكذلك في تونس) لو استمرت حتى نهايتها المنطقية كانت ستدمر قورة الوجهاء المستقلة وصبغة العمل السياسي التي تجعلها ممكنة، إذ كان هدف الإصلاحات تأسيس إدارة موحدة الشكل ومركزية ترتبط مباشرة بكل مواطن وتعمل تبعا لمبادئها العقلانية الخاصة في العدالة وتطبق بالتساوي على الجميع: لكن هذه الأهداف وعلى الرغم من أنها قد تحققت إلى درجة ما إلا أنها لم تنفذ بصورة كاملة؛ ففي القاهرة واستنبول على حد سواء جرى تحريف نتائج الإصلاحات وأدت إلى كثير من التعقيدات بفعل عوامل عديدة مثل وجود حاکم مطلق يرغب في تطبيق الأفكار الجديدة بالشكل الذي يقوي من مركزه وليس إلى الحد الذي لا يهدده وحسب. كما أن التطور التدريجي للشعور العام في أوساط بعض المجموعات التي لم تعد راغبة في أن تظل محكومة وأن تفرض عليها مصلحتها من الأعلى بل ترغب في المشاركة بالعملية وكذلك حجم وتنوع المذهب العثماني في الحكم الذي ينصرف بأشكال مختلفة في أماكن مختلفة.

ففي القاهرة (وربما في تونس أيضا) (2) طبقت الإصلاحات في البداية لمصلحة الحاكم. والواقع أن الهدف الأول والرئيسي لمحمد علي كان تدمير كل خصوم سلطته وقد كتب الكثير عن تدمير زعماء المماليك وصرف كثير من الانتباه إلى حفلة الغداء الشهيرة تلك، ولكن قليلا ما توجه الأهتمام إلى حدث ذي أهمية مستمرة هو إلغاء الالتزاماته وكانت سيطرة المماليك على الالتزامات قد ضعفت بفعل الاحتلال الفرنسي وهذا ما سهل على محمد على إنهاء ذلك النظام، وقد دمر عمله هذا في آن واحد الوسائل التي وعدت بها الأسر المملوكية قوتها، والهدف الكائن وراء تطلعاتها. وقد ضمن محمد علي بجمعه الضرائب مباشرة عدم بروز طبقة جديدة من الملتزمين وعندما بدات تظهر إلى الوجود طبقة جديدة من مالكي الأراضي في أواخر أيام حكمه لم تكن تملك الوسائل نفسها في أول الأمر كممارسة الضغط على الحكومة كما كان يفعل المماليك، وصحيح أنه لم يطل بهم الأمر

حتى اصبحوا في وضع أقوى في الاقتصاد الريفي لكن امتلاك الأرض بحد ذاته لم يكن يخلق قوة سياسية إلى أن بدأ إسماعيل يحتاج إلى مساعدتهم ودعمهم في اعوام 1870 ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت