وضباط الجيش زعماء في المقام الأول بقدر ما كانوا أدوات يستخدمها السياسيون، وربما كنا قد أعطينا مزيدا من الاهتمام لعرابي وقليلا جدا لمحمود سامي البارودي و آخرين من أمثاله، إن صدمة التدخل الأنكلو فرنسي هي التي دمرت لعبة السياسيين ومناوراتهم وتوازنات القوي. وأطاحت بالسيف من اليد التي لوحت به وبدا لبرهة قصيرة وكأنها تملك قوة خاصة بها عندما طار السيف في الهواء قبل أن يهوي إلى الأرض).
وقد بدأت اسياسات الوجهاء نظهر مرة أخرى بعد صدمة الاحتلال البريطاني الأولى وكان الحكم البريطاني غير مباشر وغايته الرسمية أن يجعل نهاية الاحتلال ممكنة وظل بضع سنوات غير واثق من نفسه وكان يحتاج إلى وسطاء حتى أوجد بعد کرومر سپاسة وضمن مراكز القوة الضرورية في الحكومة. وكان ثمة استقطاب في السلطة بين الإدارة والقصر، وقد استطاع الوجهاء أن يلعبوا دورا مافي مثل هذه الظروف وهو دور ملتبس كالمعتاد، يساند الاحتلال البريطاني ولكنه يلعب في الخفاء دور بؤرة لتجميع السخط. ولم تتضاءل أهمية دورهم إلا في منتصف أعوام 1890 عندما بدأ كرومر بحكم مباشرة من خلال مستشارين بريطانيين أو وزراء دمي، في حين كان الخديوي الجديد من جهة اخرى قد بدا يمارس نوعا جديدا من السياسة تلتقي مع الطلاب الوطنيين والجماهير المدينية
لقد كانت نتائج إصلاحات محمد علي في القاهرة تقوم على تدمير الزعامة السياسية القديمة واستبدالها بحاکم مطلق تدعمه أسرة عسكرية جديدة. أما في استنبول فلم تكن العملية لمجري بهذه البساطة وذلك لأسباب عدة أهمها في الغالب وجود موسسات قديمة وعميقة الجذور، وقد سپيت الإصلاحات تدمير واحدة من تلك المؤسسات وهي اقواج الانكشارية، وتم إضعاف مؤسسة أخرى ولكن إلى حد معين. فلم يعد القصر المصدر الأساسي للخوف أو الحظوة، فثرونه اصبحت محدودة ورجاله اصبحوا قلة وهو يستطيع أن يحكم عبر بيروقراطية ماهرة ومتخصصة فقط، إلا أن البيت العثماني ظل مرکز استقطاب الولاء ومجمعا كاملا من العادات السياسية التي ظلت تعطي السلطان سطوة نهائية على موظفيه ورعاياه. لكن مؤسسة ثالثة ازدادت قوة وهي البيروقراطية العليا وقد تخلصت من خصومها العسكريين وقد متت الحاجة إليها فضلا عن ذلك أكثر من أي وقت لانهم كانوا الأشخاص الوحيدين الذين يستطيعون أن ينهضوا بعبء النظام الإداري الجديد