الصفحة 292 من 950

وقد أوضح شريف ماردين في كتابه (9) إن النظام يجسد أفكار البيروقراطية إلى حد كبير او على الأقل أفكار أولئك الذين تدربوا كدبلوماسيين أو مترجمين على الكيفية التي يحكم بها المجتمع. وكانوا مجموعة متماسكة بما يكفي لبقاء سيطرتهم وكانت تجمعهم بعض القيم المشتركة، كالإيمان بالإمبراطورية والإيمان بالحضارة الأوروبية الحديثة وتفسير اكيد القوة اوروبا يتلخص في كلمات العدالة والعقلانية وكانوا إلى حد بعيد مجموعة وارثة تنتمي إلى عائلات ذات تاريخ طويل في الخدمة العامة. وقد هبت رياحهم عندما حانت نهاية النظام القديم الذي استولت الدولة بواسطته على أملاك الموظفين الرسميين الذين ماتوا أو فقدوا حظوتهم.

وثمة عوامل عديدة أدت إلى بعض الفعالية السياسية أهمها اقتسام السلطة بين القصر وجماعة الخدمة المدنية وندخل القوى الأوروبية ومتانتها المختلفة وكذلك حجم الخدمة المدنية الكبير وتعقيدها، لكنها ظلت سياسة بلاط أو بيروقراطية أكثر من كونها سياسات وجهاء: وتعني سياسة أولئك الرجال الذين ترتكز قوتهم في نهاية الأمر على مركزهم في الخدمة العامة والذين يناضلون ليوطدوا هيمنتهم وهيمنة افكارهم.

إن شروط نموذج للنشاط السياسي أكثر انفتاحا قد دمرت هنا أكثر ما حصل في مصر. فالانكشاريون انتهوا، وبصرف النظر عن بعض الحوادث المعزولة، لم يلعب جمهور استنبول دورا سياسيا كبيرا حتى اقتراب نهاية القرن، ولم ينخرط ضباط الجيش في السياسة بتأثير المجموعات المتنافسة، ولعل ذلك يرجع إلى أن ذكرى الانكشاريين كانت ما تزال مائلة وهي تذكر بالخطر. كما فقد العلماء كثيرا من أهمينهم، كما جرى في مصر، عندما تضاءلت وظائفهم الرسمية في منظومتي القانون والتعليم. وقد أوضح الأستاذ هيد (10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت