الصفحة 296 من 950

السرية، وذلك بدعم من طبقة الموظفين ومن هذه السفارة الأوروبية او تلك. وقد تغيرت الحال تغيرا جذريا بفعل العملية التي بدأتها ثورة تركيا الفتاة وأدخلت تركيا إلى العصر الحديث؛ عصر السياسات الجماهيرية. إلا أن ما يلفت النظر أن قادة ثورة تركيا الفناة والثورة الكمالية التي تبعتها جاؤوا من مراتب الموظفين والضباط العثمانيين. لقد بنيت تركيا الحديثة مثلها مثل الإمبراطورية العثمانية في مرحلتها المتاخرة حول نظام من المؤسسات الحكومية قوية وعميقة الجذور.

وفي كل من القاهرة واستنبول عملت الإصلاحات الفائدة تقوية الحكومة وشد الرعية ففي كل مدينة استطاع عضو ما في الحكومة أن يلتهم المنفعة الأساسية من التغيير، ولم يستمر هذا التطور قدما في ولايات آسيا العربية على كل حال حتى نهاية القرن وحتى في هذه الفترة لم يكن مكتملا. ولم تضعف الإصلاحات، حتى في ابعد مدى طبقت فيه، قوة الوجهاء المدينيين بل إنها قوتها في بعض الأحيان. .

وكانت لذلك أسبابه المتعددة ولن يكفي أن نفسر ذلك بالمسافة التي تفصل بغداد ودمشق وحلب وجده عن استنبول، والحق أن المسافة قد تكون عاملا محسوا فيما يتصل ببغداد اما سوريا وغرب الجزيرة العربية فقد لمست آثار وسائل الاتصال الحديثة حتى قبل أن تفتح قناة السويس او بيني اول خط حديدي، فقد أبحرت السفن البخارية هنا منذ سنوات 1830 وما بعد (وكان تدعيم الجيش العثماني في سوريا بسرعة عن طريق البحر مكتا وذلك إبان أحداث 1890) كما امتدت خطوات البرق (التلغراف) في سنوات 1890 وإذا شئنا تفسير الأسباب الرئيسية التي جعلت رد فعل مدن الولايات العربية على التنظيمات، تتم بطريقة مختلفة فعلينا أن نبحث في مكان آخر وقبل كل شيء في كون هذه المدن مدنا في الولايات حيث كانت يد الحكومة اقل بطشا هناك ما هو في العاصمة، ومن الواضح جدا، أنه مع انصرام القرى بدا ينظر إليها وكأنها أجنبية بمعني ما، فلم تعد الفكرة السياسية أو العاطفة تتخذ شكلا دينيا بالطبع. والحق أن نظرة سكان المدن المسلمين إلى كل من الحكومة المصرية التي حكمت سوريا والحجاز في أعوام 1830 والحكومة العثمانية التي حلت محلها، كانت نظرتهم إلى حكومات غربية ضد التقاليد الدينية وضد المبدأ القديم الذي يكرس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت