الصفحة 314 من 950

وفي عام 1830 رجاه شيوخ قبيلتي الموالي وعنزه أن يصلح بينهم وبين حاكم حلب الذي كان راغباهو نفسه بهذا التدخل، وفي سنوات 1850 انتهت ثورة جبل الدروز ضد التجنيد بفضل تدخل كل من القنصلين البريطاني والفرنسي، وكانت هذه التدخلات تضع القناصل في موقع تعارض مباشر مع مصالح الوجهاء، وكانت تعطي القناصل سواء ارادوا ذلك أم لم يريدوا دورا في السياسات المحلية، وكانوا يستطيعون تعبئة قوى سياسية لغايات سياسية محلية سواء في المدينة أو الأرياف، والحقيقة أنهم لم يكونوا يتجنبون ذلك إلا نادرا. ولعل تدخل الأمير عبد القادر الشهير في مذابح دمشق عام 1890 مثال جيد على ذلك، وقد اعتبر عمله على إنقاذ وحماية المسيحيين صورة للنبالة الإسلامية ولا ريب في ذلك. إلا أنه ينضح من السجلات الفرنسية أن القنصل الفرنسي الذي كان يتوقع حدوث المذبحة قد وزع اسلحة على الجزائريين ووافق على أن يفعلوا ما فعلوه. وفي ضوء هذه الرؤية، تبدو القنصلية الفرنسية وكأنها تلعب الآن الدور التقليدي للوجيه وأن الأمير عبد القادر والجزائريين أعوانه من زبائنها.

وتبقى نبالة عبد القادر وروعة عمله، ولكنها ممزوجة بشيء آخر هو الرغبة في أن ينال رضا حكومة نابوليون الثالث التي يأمل من خلالها تحقيق خططه السياسية.

يضاف إلى ذلك أن بروز القنصليات أخذ يهدد قوة الوجهاء الاقتصادية فمنذ انحدار نظام التجارة القديم، وازدهار التجارة الأوروبية يؤدي إلى غنى التجار اليهود والمسيحيين ويمنحهم قوة اقتصادية وكان القسم الأعظم منهم إما محميا رسما لهذه القنصلية أو تلك أو مرتبطا بها معنويا، بل إن تصرف الوجهاء بالأراضي صار موضع تحد. وقد ذكر (13) شوفاليه Chevallier أن تجارة من المرافئ البحرية في بعض أجزاء سورية قد حلوا محل مالك الأرض المحلي کممولين برأس المال للفلاحين ومنظمين لإنتاجهم. وقد اتسعت تلك النشاطات كثيرا فأصبح التجار المسيحيون واليهود مقرضي أموال وهذا ما جعلهم يدعون ملكية الأراضي وأخذوا يطلبون من القنصليات الأجنبية دعمهم ضد الفلاحين وفي أوائل سنوات 1890 کان قسم كبير من ديون قرى ريف دمشق عائدا إلى اليهود الذين يتمتعون بحماية القنصلية البريطانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت