الصفحة 348 من 950

د- لابد من التمييز من وجهة النظر الأوروبية بين مصالح مالكي السندات البريطانيين والفرنسيين ونشاطاتهم وبين الحكومتين البريطانية والفرنسية. ففي الأشهر القليلة الأولى بعد إعلان إفلاس مصر كان مالكو السندات وليس حكوماتهم، هم الذين تدبروا أمر تسوية خلافاتهم بما يكفي لحصولهم على وضعية مالية يمكن أن تحمي مصالحهم وذلك ما سمي بتسوية غوشن -جويار Goschen - Joubar عام 1877 ولم تتدخل الحكومتان إلا عندما أصبحت تلك التسوية مهددة بالتوقف، فعمدتا بصورة مباشرة إلى تشكيل لجنة تحقيق في وضع مصر المالي أولا ثم أجبرنا إسماعيل على القبول بحكومة تضم وزيرين أوروبيين ليقدما نصائحهما أثناء كتابة التقرير. وقد تدخلت الحكومتان ثانية في السنة التالية عندما بدا وكأنه على وشك أن يغير في التسويات الموجودة.

ه- كان التعاون الفرنسي - البريطاني يخفي خلافات هامة في الهدف فالفرنسيون منلهفون إجمالا على حماية مصالح مالكي السندات منهم، والإنكليز يريدون منع الأوضاع المتدهورة من الوصول إلى درجة تتيح لقوة أخرى التدخل في مصر الواقعة على الطريق المؤدية إلى الهند، إلا أن الحكومتين كانتا قادرتين على الرغم من ذلك على العمل في انسجام، أولا بدعم برنامج يؤيد التسويات المالية التي تمت لصالح مالكي السندات مهما كانت. ثانيا محاولة تقوية سلطة الحاكم المصري ضد الحركة الوطنية، وهذه السياسة الأخيرة هي التي قادت مباشرة إلى الاحتلال البريطاني.

و- وأخيرا، تساعد أحداث سنوات 1875 حتى 1882، التي يقتطعونها عبر مرحلة من التبدلات الاقتصادية والاجتماعية السريعة، على عرض جوهر طبيعة التحول الذي حدث بعدئذ، إن طبيعة الروابط التي تربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد الأوروبي واضحة وكذلك الطريقة التي قواه بها وجود مجموعات ذات سطوة في داخل مصر. ومرة أخرى يظهر ترکيب الحركة الوطنية درجة العداء للانتهاكات الأوروبية الحاضرة في جميع قطاعات المجتمع المصري، كما يكشف أيضا عن بعض الانقسام بين الذين كانوا مهيئين لمقاومة التدخل الأجنبي بالقوة إذا اقتضت الضرورة وبين من لم يكونوا كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت