الصفحة 362 من 950

نشبت فيه الحرب العالمية الأولى تماما، والتزمت استنبول في البداية حيادا عسكريا حذرا دام ثلاثة أشهر وفي نوفمبر أجبرتها ظروف لم تكن تسيطر عليها تماما، على دخول الحرب، وتورطت تركيا في السنوات الأربع التالية في صراع اقتضى تعبئة كل مواردها البشرية والمادية (1) .

إن أي نظام تواجهه سلسلة من الأزمات كهذه سيجد من الصعب عليه تقديم استجابات مناسبة، وقد خضع نظام السلطنة القديم للتقسيم تحت الضغط الدولي بعد أن قدم احتجاجات رمزية وكان عليه أن يقبل بالأمر الواقع، شريطة أن يسمح للنظام بالبقاء على هذه الصورة أو تلك. وقد حددت مصالحه بأن تشمل مصالح أفراد الأسرة العثمانية ونخبة صغيرة جدا كانت تحتكر السلطة في القصر ومصالح أصحاب المراكز العليا في البيروقراطية المدنية والعسكرية. كان الاتحاديون وهم الجناح الأكثر جذرية في حركة الأتراك الشبان، يمثلون ما يمكن وصفه «بالطبقة التابعة كما يسميها غرامشي، في آخر عهد الإمبراطورية العثمانية، وكانت هذه الطبقة قد أصبحت منظمة سياسيا وواضحة، وتطالب بمكان للمسلمين العثمانيين في البنية الاجتماعية والاقتصادية، وبدولة دستورية وبنظام جديد ثقافي وأخلاقي ينسجم معها. وهكذا بدأ الاتحاديون بعد إحياء الدستور مباشرة مناقشة الحاجة إلى تنفيذ ثورة اجتماعية. وتحدثوا عن تحويل مجتمعهم للوصول به إلى مستوى المجتمعات المتقدمة في الغرب أو في اليابان التي أصبحت منبع الهامهم، وكانوا فخورين باعتبار أنفسهم بيابان، الشرق الأدنى (أحمد 1999: 23 رقم 1) وقد أجبرتهم العقبات التي واجهتهم نتيجة للأزمات، والهزائم في الحرب أن يندفعوا نحو الإصلاح ولم يستطيعوا أن يحققوا برنامجا إصلاحا وتنظيما إلا بعد أن استولوا على السلطة أثناء حروب البلقان ومن خلال انقلاب بنابر 1913، وحتى عند ذلك لم يتمكنوا من المضي قدما من دون الوقوع في حبائل التنازلات والمعاهدات غير المتكافئة التي قيدت السلطة العثمانية والتي رفضت القوى العظمى إلغاءها، ومنح نشوب الحرب العالمية عام 1914 الباب العالي الفرصة كي يلغي الامتيازات من جانب واحد دون خوف من تدخل أوروبا. وأبطلت هذه المعاهدات الممقوتة في سبتمبر 1914 وأصبح الأتراك أخيرا سادة بينهم وأحرارا في توجيه قدرهم الخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت