وتتريك دولتهم ومجتمعهم وذلك باجتثاث العناصر الكوزموبوليتانية من لا يتحمس للدوافع القومية أو الوطنية، ومن المثير للسخرية أن هذه العملية شكلت قوة دافعة تحديدا في اللحظة التي كانت فيها الإمبراطورية مهددة بالدمار على أيدي الحلفاء في غاليبولي والجيش الروسي في شرق الأناضول، ونذكر لمجرد إعطاء أمثلة قليلة على هذه العملية أن وكالة الأنباء الرسمية وصفت بالوطنية بدلا من العثمانية، وكانت اللغة التركية هي اللغة التي نص القانون على استعمالها من قبل مكاتب البريد واللغة التي يجب أن تستعمل في جميع الاتصالات التي تجري مع وزارة المالية، وتبع ذلك مرسوم يقضي بأن تكون لافتات جميع المخازن التجارية باللغة التركية. وقد ساعدت هذه الرسائل على إدخال شعور بالوعي القومي في أذهان الأهالي، ولكن بعض المنظرين العقائديين من بين الاتحادين أدركوا أن القومية التركية بدون اسس قوية اجتماعية - اقتصادية سوف تكون تجربة لا طائل وراءها. وفي أغسطس 1917 أصدر يوسف آفجورا وهو واحد من أهم المفكرين القوميين في تلك المرحلة تحذيرا جديدا إلى الأتراك بأنهم إذا فشلوا في تكوين بورجوازية من بينهم وذلك بالاستفادة من أمثال الرأسمالية الأوروبية فإن فرص بقاء مجتمع تركي مؤلف من الفلاحين والموظفين فقط سوف تكون ضئيلة جدا (أورده Berkes، 1994: 429) (10) .
وقد حظي هذا النداء بالاهتمام، وقبيل نهاية الحرب، وبفضل تنوع تدابير زمن الحرب في تشجيع النشاط التجاري والصناعي، كان من الممكن ملاحظة بروز اقتصاد قومي، فلم تكن هناك برجوازية تركية ناشئة وحسب لتكمل هذا التطور بل طبقة عمالية صغيرة أيضا ويسجل مقال لاحد الكتاب وعنوانه المرحلة البورجوازية بدات، هذه الحقيقة ويعبد الملاحظة بأن دولة الأعمال هذه لن تفشل في إثارة الصراع بين الرأسمال والعمل في بلادنا»(2 - 1:1917 ,8. Iktisadiyat Mecmuasi
)، وربما كان هناك بعض المبالغة في هذه الملاحظة إلا أنها تصف بشكل ملائم التحول الكبير الذي حصل في المجتمع التركي خلال هذه الفترة القصيرة منذ عشرة أعوام. كان الاهتمام الرئيسي للحكومات منذ عام 1914 هو الحرب، إلا أن انشغالها بالأمور الاقتصادية لم يكن قليلا.
إن المتتبع لصحافة استنبول أيام الحرب لابد أن تصيبه الدهشة لكل تلك المساحات من الأعمدة المخصصة للمقالات الاجتماعية والاقتصادية. فعلى الرغم من الحرب، وربما بسببها، كانت مشاكل الزراعة والتجارة والصناعة في المقدمة دائما والواقع أن بعض الصحف قد أنشئت خصيصا لهذه الغاية مثل جريدة الاقتصاد (Iktisadiyat