وعند ذلك أصبح الأرخبيل اليوناني مركز التجارة الحبوب الهرية التي ازدهرت في القرن الثامن عشر (30) وقد وجد القمح المصري والأرز والبقول طريقا إلى الغرب تتوافق مع طلبات السوق المتبدلة ومع قدرة الباب العالي النسبية على تقوية نظمه التجارية.
واكتسبت المنتجات الصناعية كالصوف والحرير والقطن والكتان والجلود والزيوت والأصبغة أهمية جديدة في القرن الثامن عشر بفضل التوسع الصناعي الأوروبي) بالإضافة إلى أن طلب كل من المنطقة وأوروبا لقطن الشرق الممتاز وحريره، ولغزله الصوفي والقطني أدى إلى زيادة إنتاج النسيج في بعض المناطق. أذى هذا كله إلى توسع في إنتاج الحاصلات الثمينة وخصوصا القطن مما قاد إلى نتيجة أخرى في الاتجاه إلى تخصيص إقليمي أكبر، وقد ترافقت زراعة أشجار التوت في لبنان ومقدونيا والتوسع في زراعة القطن في مقدونيا والأناضول وفلسطين مع تطور في إنتاج الطعام والأصبغة النباتية في مناطق أخرى، وأصبح سهل البقاع وحوران مناطق إنتاج هامة للحبوب يتقاتل عليها امراء لبنان وولاة صيدا ودمشق. وكانت المواد الغذائية المصرية تنمون سورية ومقدونيا واستنبول، بالإضافة إلى تسويقها في مصر وفي الغرب. وكانت مصر تنتج صباغ النيلة ايفا (صباغ أزرق) والعصفر للأسواق الداخلية وللتصدير. وكان تخصص مصر بإنتاج معين إشكاليا بعض الشيء إذ إن أكثر من محصول واحد في العام يمكن أن يظهر في مناطق عديدة واتجهت مناطق مختلفة إلى التخصص بالقطن والكتان والأصبغة والبذور الزيتية وقصب السكر أو المحاصيل الغذائية (22)
في حين كان جزء صغير من تجارة مصر الخارجية يجري مع الغرب مباشرة، أظهرت حركة الأسعار في القاهرة خلال هذا القرن بوضوح أن البلاد كانت تعاني من نتائج النمو العام للتجارة ومن ارتفاع أسعار السلع الزراعية مما يوحي بأن العوامل التي تكمن وراء ارتفاع الأسعار ربما كانت عامة وليست مجرد مسألة تأثير أوروبي. وقد ارتفعت أسعار البقول والقمح والأرز والقطعان والجمال مرتين ونصف خلال القرن وارتفعت أسعار الخراف ثلاث مرات كما تضاعف سعر الزيدة والزيوت والجبن والسكر والعسل مرتين وطرأ ارتفاع على أسعار السلع الصناعية إذ ارتفع سعر القطن الخام خمسة أضعاف تقريبا في حين تضاعف سعر الكتان والقطن المغزول (33) وزاد سعر صبغ العصفر المعد للتصدير