وكانت الظاهرة المختلفة تماما بروز ما يمكن تسميته بالفلاحين المناضلين في بعض المناطق، كان هؤلاء الفلاحون ظاهرة سياسية اقتصادية، فهم يحمون سيطرتهم ويوسعونها إلى مناطق من السوق الزراعية الموجهة والتجارة، بالإضافة إلى أنهم استعملوا قوتهم المقاومة عبء الضرائب المتزايد والرسوم التي كان يفرضها الملتزمون وإدارة الولاية. وكظاهرة اجتماعية تزامن هذا التطور مع تحضر بعض القبائل البدوية، ومنذ أن تحول هولاء البدو إلى فلاحين أصبح من الصعب تمييزهم من الفلاحين حتى أن بعضهم اخذ يرتدي ملابس الفلاحين البنية الصوفية، ولكنهم حافظوا على هويتهم القبلية وتضامنهم في مواجهة الجهات الخارجية. ويبدو أن «النفوذ البدويه كان العامل المشترك في هذه المناطق الذي حافظ على شبه استقلال عن البكوات (54) .
وحصل نوع من التكافل بين البدو والفلاحين في بعض أجزاء الشرقية والدقهلية الدنيا، ووصف البدو في شمال بلبيس بأنهم الفئة المسيطرة دون أن تكون الأكثر عدداه 5)، وقد استقروا بجوار قرى الفلاحين واشتغلوا بتربية الماشية والزراعة، بالإضافة إلى حراسة القوافل على طول الطريق إلى سورية والحجاز وقد وصف المراقبون الفرنسيون هذه المنطقة بأنها غنية بالمحاصيل الحقلية المتنوعة والبساتين وخصوصا واحات النخيل وكانت شبه جزيرة المنزلة تنافس دمياط کمنطقة لزراعة الأرز (56) .
أدت المصالح المتبادلة بين البدو والفلاحين هنا إلى تحالفات عسكرية وكانت المعارك القريه خاض بالتكاتف ضد المناطق المجاورة ونؤكد الإشارات المتكررة إلى فلاحين
حملوا أسلحتهم إلى الحقول وإلى المدن والقرى المحصنة لخوض ذلك الكفاح (57) . وعلى الرغم من هذا الصراع تصمت هذه التقارير عن أي اخرابه نتج عن ذلك. كانت معارك القرى شن في سبيل السيطرة على الماء والأرض ولا ريب أن محركها كان ارتفاع قيمة الأرض والقطعان وكذلك التغيرات العرضية في مستوى الفيضان.
وثمة بعد هام أيضا لهذا التعايش هو القدرة على مقاومة ابتزاز البكرات، كان دفع الضرائب والعلاقات الأخرى موضوع مفاوضات بين شيوخ البدو والمماليك (58) . وخلاقا المنطقة الدلتا المركزية لم يكن هنالك ذكر البيوت المماليك في الشرقية والدقهلية الدنيا مما يدل على أن البكوات وأتباعهم لم يستطيعوا أن يقيموا حضورا دائما هناك.