قسيمة بقيمة الباقي، وبهذا لم يعد للفلاحين أي سلطة في مجال التسويق إذ كانوا يرغمون على بيع محاصيلهم للدولة بسعر مخفض ثابت. ومن ثم تقوم الدولة بطلب أسعار أعلى بما لا يقاس ثمنا تتقاضاه من التجار الأجانب والحلين. وبما أنه كان من الحظور على الفلاحين الاحتفاظ باي قسم من الحصول فإنهم كانوا يرزحون تحت عبء إضافي بشرائهم الحبوب ثانية بأسعار أعلى محاباعوها لاستهلاكهم الشخصي (1) .
كما قامت الدولة بفرض سيطرتها على الزراعة، فكانت تملي على كل شيخ بلد في كل قرية الكمية المطلوبة من المحصول وأنواعه وهي لم تكن تسعى إلى التحكم بتجارة التصدير وحسب بل وإلى التمكن من الاستجابة للمطالب الأجنبية لكميات متزايدة من محاصيل معينة، وخاصة القطن. وسعي محمد علي إلى امتلاك ناصية النفوذ الاقتصادي والسياسي من خلال إعادة تنظيم مصر على أنها مزرعته الشخصية الخاصة، وقد قدر في حديث له مع القنصل البريطاني عام 1830 محصول القطن لتلك السنة ب 200
, 000 مائتي ألف قنطار، ثم أضاف: «لم أجد من المناسب زراعة أكثر من ذلك هذه السنة ولكن إن وضعت إنكلترة يدها في يدي فبإمكانها في حال وقوع حرب أمريكية أن تستعين بي لتأمين كمية كافية لتزويد كل مصانعها، وسأمنحها القطن وحدها. فاذكر ذلك» (12)
والقلب التبجح غما عندما تعثر الإنتاج الزراعي في أواسط العقد الثالث من عام 1830 وحلت بالارباف ازمة نقص الغذاء وقلة اليد العاملة، ورفعت بالتدريج الاحتكارات العديدة وأبطلت مركزية التحكم بالإنتاج الزراعي. إلا أنه بدا من الواضح أن الفلاحين غير قادرين على استعادة سلطتهم على الإنتاج. وبالرغم من السماح لهم ببيع قمحهم والحنطة والبقول والشعير في السوق المحلية عام 1831، استأنفت الحكومة تحديدها لأنواع المحاصيل وأسعارها. كما أصرت على أن يدفع الفلاحون ضرائبهم على شكل محاصيل او ان يبيعوها بأسعار الحكومة (13) . وقامت الحكومة بالتخلي فعلا عن الإدارة المباشرة للمحاصيل على الرغم من أنه بقيت مناطق محددة على ضفاف النيل تضمنت اخصب الأراضي الزراعية مخصصة لزراعة القطن والنيلة والأفيون والكتان وظلت هذه المناطق حكرا للدولة حتى عام 1842 (14) .