المؤهلين جسديا من الضألة بحيث يتبادر إلى الذهن أن هذا العدد هو أخر دفعة يمكن لهذه الجموع البشرية المنهكة أن تقدمها (34) . أما مجندو العام الذي تلاه فكان بينهم صبيان في الثانية عشرة والثالثة عشرة من عمرهم، فالرجال مطلوبون مهما كان الثمن، وما الأطفال إلا جنود مرتحلون» (25) . وحين لم تعد الأرياف قادرة على إشباع احتياجات التجنيد حولت الدولة اهتمامها إلى القاهرة نفسها حاشدة ما يقرب من 10
, 000 رجل عام 1932 معظمهم من النوبين أو من يعملون كخدم من أصول أخرى).
ومن جديد أخضعت جموع الفلاحين لجولة أخرى من التجنيد إبان عهد إبراهيم باشا الذي لم يدم طويلا عام 1848، إذ تمت إعادة الجنود ورجال البحرية الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للقوة العاملة في مشروع سد على النيل إلى الخدمة العسكرية، وطالت من جديد اليد الغاشمة لعمل السخرة الإلزامي الفلاحين، فسيقوا لأخذ الأمكنة التي أضحت شاغرة في المشروع، كما تم تجنيد 14 , 000 جندي جديد من الولايات (37) . ومع أن القوة العسكرية اختصرت لاحقا في عهد عباس إلا أن التقنين في العدد كان يتم عن طريق تسريح الجنود شبه المحترفين والذين هم أكثر خبرة والاحتفاظ بالمجندين الفلاحين (28) . وفي أوائل الخمسينات من ذلك القرن تجددت موجات التجنيد فاستدعي الرجال من الأرياف والمدن وجاليات الأقليات للتجنيد وكان الهدف إنشاء جيش يبلغ تعداده
100 , 000 مئة ألف رجل (29)
أما إذا نجا الفلاح فلم يعلق في شبكة أعمال السخرة في مشاريع الري أو الخدمة العسكرية فلابد أن تناله موجة العمل القسري في صناعات الدولة ومناجمها. فقد خلق مشروع محمد على التصنيع ما يقارب 40 , 000 عامل مصنع، إلا أنه من غير الواضح کم يشكل الفلاحون منهم مقابل الحرفيين المتقولين إلى العمل في تلك المصانع (30) .
ولم يضع إغلاق العديد من المصانع عام 1830 حدا للعمل الإجباري في الصناعة، ففي عام 1892 مثلا سيق ما يقرب من ألف رجل للعمل في مؤسسات صناعة الأسلحة ومواقع بناء السفن وترميمها (31) . أما مناجم الدولة فقد حكمت على العاملين المستنكفين عن عملهم بأن احرموا من زوجاتهم وأطفالهم، ويكرهوا على العمل الشاق وأكل