الزهيدة التي كانت تتقاضاها المرأة تدفعنا إلى الاستنتاج بأن عملها لم يكن يعتبر سوي عمل تکميلي لا علاقة له بالحرفية، إلا أن هذا العمل كان أساسيا دون شك لاستمرارية صناعات النسيج العثمانية في القرن التاسع عشر حين كانت الأسعار والنفقات تتدهور دون توقف. وقد تكون طلبات الأسواق الغربية قد أسهمت في تعزيز الأهمية الاقتصادية للأفراد الإناث في المنازل العثمانية العاملات في التصنيع، وأخيرا فقد أظهر العديد من المنازل العثمانية إيان القرن التاسع عشر مرونة كبيرة في مسألة تقسيم العمل تبعا للجنس.
إن النتائج التي خلصنا إليها في هذا الفصل قد عززت في نواح عديدة بالبحث الإثنوغرافي في الشرق الأوسط المعاصر. وقد أظهر عدد من الدراسات الحديثة بشكل لا مراء فيه الأهمية الحيوية لعمل المرأة في الاستمرارية الاقتصادية للمنزل القروي التركي المعاصر وبهذا نجده يقيم أواصر غاية في الأهمية مع الماضي العثماني، إلا أن العديد من هذه الدراسات لم يعثر على أثر لتقسيم العمل تبعا للجنس والذي كان شائعا في القرن التاسع عشر، إذ يبين أحد البحوث الذي تركز على قرى في منطقة نونية في الأناضول المركزية مثلا، أنه لم يعد لتقاسم العمل وجود في يومنا هذا. ويعتقد هؤلاء الباحثون عموما بان المهمات محددة بشكل قاطع بمهمات خاصة بالرجال وأخرى بالنساء. وقد لاحظوا أيضا أن النساء اضطلعن مسؤوليات تصنيعية جديدة، فالرجال لم يسمحوا لهن بالعمل بجهد أكبر ولساعات أطول من قبل فحسب، بل لقد رفضوا أيضا القيام باية مهمات إضافية في المنزل. كما لم يجد هؤلاء الباحثون تعاظما في سلطة أو مكانة المرأة ضمن المنزل نتيجة لارتفاع أجور عمل المرأة التركية المعاصرة (40) . إلا أن هذه النتائج تتعارض تعارضا مطلقا مع ما توصل إليه باحث آخر يدرس شئون صانعي السجاد في موقع قرب آيفاليك في الأناضول الغربية. إذ انخرط هؤلاء العمال في إنتاج السجاد منذ عهد قريب جدا كجزء من الجهود التي قامت بها جامعة تركية للحفاظ على استخدام الأصباغ الطبيعية في الصناعة، فالرجال والنساء أخذوا بتبادل مهمات تصنيع السجاد وشئون تدبير المنزل بمرونة وسهولة. وبهذا يمكن الاستنتاج بأن الأماكن التي تقترب مواقعها بعضها من بعض قد تختلف اختلائا جذريا في تقسيم العمل تبعا للجنس. وقد ينحصر الاختلاف بكل بساطة في مسألة التنوع حسب الموقع وهي ظاهرة تتكرر كثيرا في البحث