ومن الجدير بالذكر أن سعيدييه كان يشترك أحيانا في نشاطات زوجته، إذ يصطحبها أحيانا في جولات التسوق ذات الأهمية الخاصة. وقد صادف أيضا أنه رافقها عندما كانت تقوم بإحدى زياراتها. ولكن الأمر الغالب الذي يخرج به المرء هو أنه يشهد حياتين تجريان على مسارين متوازيين لا يتقاطعان إلا نادرا وفي بعض ساعات اليوم. والحقيقة أن ملاحظات سعيد بيه ترسم صورة لنمط تقليدي من العلاقة بين الجنسين في المجتمع العثماني، فسعيد بيه يعيش في مجتمع من الرجال أساسا وإذا ما صدف أن التقى بنساء كان ذلك بحضور زوجته -إذا ما حملنا كلامه في ملاحظاته على محمل الصدق. أما بالنسبة لزوجته فقد كانت حياتها محصورة في عالم خالص من النساء فقط لا تغادره إلا بصحبة زوجها.
كان ذلك هو الوضع الطبيعي في ذلك الوقت في معظم أسر استنبول. ويكفي أن نقرا بعض الروايات لقياس مدى الفصل بين الحرملك والسلملك -أي مجتمعات الإناث والذكور - الذي كان أمرا مفروغا منه في نهاية القرن التاسع عشر. ولا ريب أن سعيد بيه كان يرى زوجته ويتحدث إلها كل يوم، ولكن يندر أن يبقى بصحبنها لوقت طويل أو بصحبة صديقاتها، وعندما حدث ذلك فعلا تحدث عنه حديثه واقعة استثنائية، إذ قال: جلست مع السيدات في جناح الحريم.
ومن الطبيعي أن يتمرد بعض الناس على هذا الحال. وأشهر مثال على ذلك هي خالدة أديب التي ناضلت بكل اندفاع لتحقيق المساواة بين الجنسين وتحرير المرأة في نفس الوقت الذي كان سعيد بيه يكتب فيه ملاحظاته. إلا أن خالدة أديب وداعبات تحرير المراة الأخريات لم يكن يمثلن سوى حركة أقلية ضئيلة لا يكترث لها أحد سوى المثقفين الذين اعتبروها أمرا جديا.
ولعل ما أسهم بشكل أكثر فعالية في ذلك الوقت في قمع الحاجز القائم بين عالي النساء والرجال هو الإدخال التدريجي للأذواق الغربية في الملابس والسلوك المستورد من الغرب إلى المجتمع، ومن هنا الاختفاء التدريجي للنقاب السميك (والذي استبدل بأخر أكثر