الصفحة 834 من 950

ويظهر البيانو الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من ضرورات الأثاث في منزل أي شخص يريد أن يحظى بالاحترام، وما هو إلا طليعي ماكر في خلق ثورة اجتماعية، إذ أنه بظهوره مهد الطريق أمام مدرسي الموسيقى القدامى حتى للدخول إلى أجنحة السيدات)

ونجد في هذا الوصف كل ما تعرفه عن دار سعبده: تقسيم المساحة الداخلية إلى جناحين. إن لم يكن كل منهما مقتصرا على جنس دون الآخر فإنه على الأقل يفي مفتوحا أمام أفراد الجنس الآخر تحت شروط معينة، وتبقى الشخصية الازدواجية للأثاث وهي دليل على ازدواجية حضارية معينة. وأخيرا البيانو وهو أكثر الرموز تعبيرا عن الطموح للوصول إلى نمط بورجوازي من الحياة مأخوذ بحذافيره عن النموذج الغربي. وقد قام سعيد بيه لتأكيد التزامه بالحضارة الأوروبية بالمضي إلى حد تغطية بعض الغرف في داره بورق الجدران، متخليا بذلك عن العادات التركية المتعلقة بتزين الجدران. ومع ذلك فهو لم يمارس القمع على حرية. وفي حين كان منحفزا ومولعا بأن يعيش حياة على النسق الأوروبي فإنه فيما يخص هذا الأمر الأساسي الهام بقي متعلقا بالتقاليد الإسلامية القديمة

عاش في تلك الدار ستة أشخاص - إن لم نحص الخدم- وقد تعرفنا على الخصائص الأساسية لها. كان هناك سعيديه وزوجته وأطفالهما: وهبي، وسميرا ميس وسنية وفردان. وفي نهاية أغسطس 1902 ذكر سعيد بيه في ملاحظاته بان سنية قد مائت. نتيجة التهاب لوزتين على ما يبدو (إلا إذا كانت الدفتيريا هي السبب) . وبعد مدة وجيزة ولد طفل جديد: حقي، هذا يعني أن الأسرة التي نعيش في هذه الدار قليلة الأفراد نسبيا. ونحن هنا بعيدون كل البعد عن النموذج التقليدي الذي كثر وصفه للاسرة العثمانية، حيث تضم العائلة عدة أجيال تحت سقف واحد ويشيع تعدد الزوجات. وتذكر ملاحظات سعيد بيبه من آن لآخر حماته، إلا أنها تعيش في مكان آخر. ويقوم سعيدبيه شهريا بدفع إيجار المسكن الذي تقطن فيه. إن هذا الوضع غير المألوف قد يجد له تفسيرا في أسباب شخصية ليس بوسعنا معرفتها. إلا أنه في هذه الحال من حقنا أن نعتقد بانه إلى جانب الأسباب الشخصية، هناك ببساطة تأثير النموذج الأسري الغربي الذي سبق أن نوقشت مزاياه المادية والمعنوية لأجيال عديدة في الروايات التركية والمسرحيات والمجلات الأدبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت