فهي تقع على مقربة من أسواقهم أو جوامعهم) و منازل الأرستقراطية المملوكية المهيمنة. أما في المناطق المحيطة بالمدينة فتناوب مناطق مختلفة: أماكن نشاطات اصناعية، ومناطق الطبقة العاملة (ومي مناطق کابية كثية: باب اللوق، ويقع اليوم في قلب المدينة الجديدة وقد كان أحد مراكز التسلية والبغاء) واخيرا هناك مناطق سكن الأثرياء باتجاه الغرب في أمكنة أقل كثافة، والنموذج التقليدي لمثل هذه المناطق هي الأزبكية التي كان نابليون بنوي إقامة مقره على أحد أطرافها عام 1798 في قصر جديد لأحد أمراء المماليك المتنفذين.
لم تكن القاهرة مدينة فوضوية على الرغم من الأحكام القاسية التي كان يصفها بها الرحالة (فقد كتب الضابط الفرنسي دوبوي: Dupuis في 1798: هذه المدينة مقبنة، والشوارع تنفث أنفاس الطاعون .. والناس مخيفون») . لا ريب أن المدينة كانت مهملة من قبل السلطات وليس فيها إدارة بالمعنى العصري للكلمة (فلم يكن فيها موظفونه مدينيون) كما كانت محرومة ماما من المؤسسات الداخلية، إلا أن الوظائف المدينية كانت تنفذها أساسا منظمات جماعية متنوعة جدا تضم أشخاصا في شبكة مركبة من البني، لا يغفلون أي مظهر من مظاهر نشاطاتهم: نقابات تجارية في المجال الاقتصادي ومنظمات وطنية ودينية و تجمعات في المناطق في المجال الجغرافي، وكان بمقدور الحكام السيطرة على سكان القاهرة باستخدام الشيوخ المتزعمين لهذه الطوائف کوسطاء. كما كان هناك شركات مختصة تضمن استمرارية تشغيل الخدمات العامة على حساب المواطنين: ثمانية نقابات من السفانين الذين كانوا ينقلون مياه الشرب من النيل إلى المدينة ويوزعونها على السكان، ونقابة واحدة النائلي الأتربة على الحميره الذين يرحلون النفايات إلى تلال القمامة التي تحيط بالقاهرة في الجهة الشرقية، وثلاث نقابات من سائقي الحمير والجمال الذين يؤمنون المواصلات ضمن المدينة ... إلخ.
وعلى الرغم من انحطاط مديني واضح لعله لم يبدأ قبل العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر وكان مرتبطا بوضع سياسي و اقتصادي و اجتماعي غير مرض، بقيت القاهرة على ما هي عليه في نهاية الحقبة العثمانية مدينة مثيرة للإعجاب. ودوپري نفسه الذي حكم على المدينة وساكنيها حكما سلبيا ليس في صالحها في 1798 نراه يضيف اليس بمقدوري حتى الآن أن أجد طريقي في هذه المدينة المترامية الأطراف، إنها أكبر من باريس.