مدينتان للقاهرة متلاصقتان جنبا إلى جنب. وقد أخضع المركز القديم التعديلات كبيرة إلا أن الجراح التي خلفها ذلك فيه لم تغير من بنية المدينة القدية، ومن جهة ثانية ولدت مدينة أخرى في الغرب أوروبية التنظيم في بيتها ووظائفها ومختلفة منذ الآن في نوعية قاطنيها، وتتميز تميزا واضحا بوجود كم هائل من الأجانب فيها. إن هذه الخصال التباينة كانت تطبع المدن المستعمرة في القرنين التاسع عشر والعشرين بطابعها، وحتى قبل أن تستسلم مصر للتنازلة الاستعمارية التي ألمت بها كان الاستعمار يوطد نفسه في قلب بني البلاد نفسها. فمنذ 1882 يمكن القول بان الصيغة التي ألهمت مشروع افتتاح شارع محمد علي يمكن تطبيقها على القاهرة المنقسمة: «القاهرة أشبه بأصيص مشروخ. نصفاه لن يلتحما ثانية أبدا (3)
المدينة المستعمرة (1882 - 1939) «القد حول الأجانب القاهرة إلى مركز عاصمة استثني منها المصريون. لم يكن هناك حدود مرئية بين الأحياء المصرية وغيرها من الأحياء، لقد اجتزنا روائح الطعام المقلي كما يجتاز المرء الأسلاك الشائكة ووصلنا إلى روائح المخابز اليونانية وحوانيت الحلوى السويسرية (3)
إن إدخال قوات بريطانيا العظمى إلى مصر في 1882 الذي أعلن في البدء أنه إدخال مؤقت، تغير تدريجيا فأصبح وجودا دائما انتهى رسميا في 1939 (وهو تاريخ المعاهدة التي نظمت استقلال مصر) وانتهى فعليا عام 1954 (اتفاقية إجلاء القوات البريطانية) ولمدة ثلاثين عاما كان للهيمنة البريطانية التي درسنا جوانبها السياسية في موقع آخر من البحث نتائج مرضية في المضمار الاقتصادي إذ كان هناك وثبة فعلية في الزراعة المصرية 1 والتطور الديمغرافي لبلد كان حتى ذلك الوقت قليل التعداد بدا للوهلة الأولى أمرا إيجابيا، حيث كانت الموارد المتاحة تزداد بأسرع مما يزداد عدد الأفواه المطالبة بالطعام.
لقد رافق التطور الذي طرأ على القاهرة تطورات شملت عامة البلاد. أما القاهرة التي أصبحت عاصمة لدولة مستقلة عمليا عن تركيا ومركزا للإدارة الاستعمارية ومحطا للمشاريع الأجنبية الضخمة التي تستغل البلاد، أضافت طائفة كاملة من الوظائف الجديدة