الصفحة 936 من 950

والامتيازات التي كانوا يتمتعون بها (فإخضاعهم للضرائب المحلية خلق صعوبات عديدة) ومنح امتيازات الخدمات العامة جميعا لشركات أجنبية، كل ذلك ساهم في إعاقة تنسيق أعمال البلدية وتبديد جهودها لخدمة القسم الأكبر من السكان. 3 - المدينتان

عززت الفترة الاستعمارية الميل إلى خلق مديتين متصلتين جنبا إلى جنب، وقد بدا ذلك واضحا منذ أيام إسماعيل باشا، إلا أنه ازداد سوءا فيما بعد: فإذا كان الخط الفاصل قبل 1882 يفصل القطاع التقليدية عن القطاع «الحديث، فإن الشرخ بعد استعمار مصر اتخذ سمة قومية واجتماعية واقتصادية زاد من حدته وعمقه. ومنذ ذلك الحين يستطيع المرء أن يتحدث بحق عن مدينة «بلدية، ومدينة «أوروبية» تماما كما هو الحال في المدن الاستعمارية الكبرى في شمال أفريقيا، وقام عالمان مختلفان في كل شيء حتى في مظاهر نظام الشوارع الفوضوي في الشرق والمنظم في الغرب يواجهان بعضهما البعض على جانبي الجبهة، تمتد من الشمال إلى الجنوب -من باب الحديد إلى الأزبكية إلى عابدين والسيدة زينب، وبدلا من أن يقوم التحام تدريجي مطرد كما كان مامولا أيام إسماعيل أضحت الفروق أعظم وأشد حين تحرك مرکز جاذبية المدينة دون هوادة باتجاه الغرب، حيث تتراكم السلطة والأنشطة والأثرياء.

غطت القاهرة القديمة جزءا واحدا لاغير من المدينة العثمانية حيث اقتطع من مثلث الأخيرة جزء صغير غربي شارع الخليج المصري مع تقدم التحديث. وتتمي بولاق إلى ذلك القطاع، وقد أدخلت بعض الطرقات وإقامة المباني الحديثة في أماكن معينة مظهر التطور، إلا أن النسيج العتيق بقي موجودا خلف مخططات الواجهة الزخرفية الأوروبية وازداد خرابا وتهدما يوما بعد يوم. لقد قدمت هذه المدينة القدية قربانا على مذبح المدينة الأوروبية منذ أيام إسماعيل ولم يزدد هذا التخلي والإهمال إلا سوءا فيما بعد، فالطرق اهملت ولم يكن هناك تنظيم كاف لجمع القمامة، ومواسير الصرف الصحي كانت إما في حالة يرثي لها أو غير موجودة أصلا وكذلك بقيت مرافق المياه غير مستكملة. ومع ذلك استمر سكان تلك الأحياء بالازدياد بسرعة مذهلة: ففي الفترة ما بين 1882 و 1927

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت