كثير عددهم، فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه، فوقاهم بنفسه إشفاق منه عليهم؛ لأنه راع والراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه، ومع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه، وهذا وجه.
ومنها أنه لما علم أنها فتنة وأن الفتنة إذا سل فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق، فلم يختر لأصحابه أن يسلوا في الفتنة السيف، وهذا إنها إشفاقا منه عليهم هم، فصانهم عن جميع هذا.
ويحتمل أن يصبر عن الانتصار ليكون الصحابة رضي الله عنهم شهود على من ظلمه وخالف أمره وسفك دمه بغير حق، لأن المؤمنين شهداء الله عز وجل في أرضه، ومع ذلك فلم يجب أن يهرق بسيه دم مسلم ولا يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بأهراقه دم مسلم، وكذا قال رضي الله عنه، فكان عثمان رضي الله عنه بهذا الفعل موفقة معذورة رشيدة، وكان الصحابة رضي الله عنهم في عذر، وشفي قاتله
عن مسلم أبو سعيد مولى عثمان رضي الله عنه: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين مملوكة، ودعا سراويل فشدها عليه - حتى لا تظهر عورته عند قتله - ولم يلبسها في جاهلية ولا في إسلام، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في النوم ورأيت أبا بكر وعمر وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه.
وقد اعتبرت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه من أخطر الأحداث التي مرت بها الدولة الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة، وقد تركت من الاختلاف والانقسام في صفوف الأمة ما كاد يودي بها، وقد أعقبها فتن داخلية أخرى تتصل بها و تفرع عنها وهي موقعة الجمل وصفين و النهروان، کا استمرت آثارها متمثلة في الخوارج و المعارضين للدولة الأموية والعصر الأول من الدولة العباسية خاصة، بل يمكن أن نعتبر الانقسامات الكبرى الناجمة عن الفتنة مؤثرة في الأمة حتى عصرنا الحاضر وإلى ظهور المهدي المنتظر آخر الزمان.