الصفحة 118 من 358

ان مداخلة وافية تماما حول مقارية أرسطو للعلوم السياسية ومضامينها الخاصة بممارسة فن إدارة شؤون الدولة تعد مستحيلة هنا. ولكن لا بد من توضيح فكرة أوسع. فتحت تأثير تعاليم الليبرالية الحديثة ومصدرها البعيد - فكر مكيافيللي - لم تعد الاهتمامات الموجهة للعلوم السياسية التي وضعها أرسطو، رئيسة بالنسبة لدراسة فن إدارة شؤون الدولة. ولقد تبين من ناحية أن إدارة النظام قد حل محلها اختراع الدستور - «آلة ستعمل من تلقاء ذاتها، أو لم تكن بحاجة إلى إشراف رجال الدولة الحكماء أو الممارسة النشطة للقيادة السياسية (23) . ومن ناحية أخرى فقد أعتبر البحث الأخلاقي غير ضروري بالنسبة لمهنة إدارة الدولة المرتكزة على إرضاء حاجات نفعية ومادية للرجال. كما تبين حقأ أن فن إدارة شؤون الروح كان مدمرة بشكل جذري لفن إدارة شؤون الدولة، وذلك بسبب كل من المغالطات النموذجية التي يدخلها في ثقافة الأمراء وعبر الفرصة التي يمنحها للنخب والمؤسسات الدينية للتنافس معهم على السلطة العلمانية.

سوف يكون من الخطأ على أية حال، استخلاص فروق صارخة جدة حول معالجة هذه القضايا الجوهرية بين أرسطو و مكيافيللي. فكلاهما يطرح أفكارا قيمة تتناول طبيعة مهنة إدارة شؤون الدولة التي جعلها مهنة بالية بفعل مسيرة التاريخ. وبأخذ مثالنا من أرسطو، فإننا نبدأ هذا البحث في متطلبات فن إدارة شؤون الدولة الحديث، مع مناقشة لطبيعة الدول والأنظمة، وما الذي يتوجب على السياسيين معرفته عنها، وهذا سوف يقودنا بدوره، إلى توضيح فكرة إدارة النظام. وبالاسترشاد بمكيافيللي بصورة خاصة، فإننا نركز هنا على العلاقة ما بين القادة السياسيين ورجال النخبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت