تقول لنا نظرية الديمقراطية إن الشعب هو الذي يحكم. وما يحدث لدينا في الواقع أن هنالك قادة يحكمون الشعب بأسلوب ليس مختلفة إجمالا عن أسلوب الأمراء والحكام في العصور الغابرة. ويبدو أن هذه الأحجية تلقي في معظمها قبولا مرحبا به لدى جمهور الناخبين المعاصرين. وكونها تظل مسألة يصعب البت فيها هو مع ذلك أمر واضح، ما هي تماما طبيعة القيادة السياسية اليوم؟ كيف بإمكاننا أن نفسر الأهمية الملحة إن لم يكن المتزايدة للسلطة التنفيذية باعتبارها متميزة عن الأشكال الأخرى للقيادة السياسية؟ كيف يمكن إثبات أهليتها وتبريرها أو استيعابها ضمن إطار الديمقراطية المعاصرة؟ ما هي نقاط الضعف المميزة لها؟ وما الذي يمكن عمله إن كان هناك ما يمكن عمله، من أجل معالجتها؟ هذه هي القضايا الأساسية التي يشرع هذا الكتاب في مناقشتها.
إن الأهمية المركزية للقيادة في عصرنا الديمقراطي ليست واضحة في أي مكان أكثر من الأحوال السائدة في أيام الحرب. وإن مقدرة قائد أعلى على أن يوحي بالثقة للأمة بصورة عامة ويقوم بالتعبير عن الموقف الحاسم والصارم للحلفاء وللخصوم، هو أمر حيوي بالنسبة لتحقيق الفوز في الحروب اليوم مثلما كان في السابق دائما. فلا ترسانة الأسلحة الحديثة ولا التنظيمات الضخمة بمنشآتها الواسعة لمؤسسة عسكرية عصرية، تلغي الحاجة إلى مثل هذه القيادة - درس تعلمته الولايات المتحدة ذات مرة في أدغال جنوب شرق آسيا مقابل ثمن باهظ، ومنذ مدة ليست ببعيدة جدأ بدأ أنه لا مجال للتفكير بأن الولايات المتحدة - أو بقدر ما يتعلق الأمر بالديمقراطيات الأخرى للغرب الجديد الموسع - سوف تواجه في المستقبل المنظور بنزاع مطول قد يخضع قيادات البلاد