القليل من القرارات الإدارية المهمة لا تنعكس بتأثيراتها في السياسة، وعليه لا يمكن للقادة السياسيين أن يتحملوا أعباء النأي بأنفسهم نهائيا عن الحلقة الإدارية. وللسبب ذاته لا يستطيع المديرون البيروقراطيون، ولا يجب أن يعتبروا أنفسهم، مجرد فنيين محايدين، فالإداريون يرتبطون بالسياسة على نحو معقد لا سبيل للخلاص منه على الأقل عند المستويات العليا. وهم في موقع لممارسة قيادة حقيقية، وبمقدور الاداريين امتلاك حق المطالبة باسم رجل دولة بقدر ما يفعل معظم (مجرد) السياسيين (1) .
لم يعرف عن الديمقراطيات دائما تميزها الإداري، وللحقيقة فإن هناك توترة واضحأ ما بين الديمقراطية التي تفهم على أنها حكم ذاتي شعبي وبين فكرة الدولة الإدارية، ففي أيام حكم أثينا القديمة، كانت الكثير من الوظائف التي يقوم بها موظفون حكوميون محترفون، تؤدي من قبل هيئات تضم مدنيين منتخبين (أو يتم اختيارهم بالقرعة لفترات قصيرة نسبية؛ وكان المسؤولون الذين يعهد إليهم بمهام حساسة، ولا سيما في مجالات المال العام وشؤون الحرب، خاضعين لمراقبة شديدة وكثيرا ما تتم مقاضاتهم بتهمة سوء السلوك الفعلي أو الظني، وليس من المستغرب أن النتيجة انتهت إلى الكثير من عدم الكفاءة الإدارية. ولقد ازدهرت البيروقراطيات النشطة في تاريخ العالم ليس داخل الديمقراطيات وإنما داخل إمبرطوريات مستبدة. ففي الصين مثلا قام جهاز إداري يضم موظفين من طبقة الأشراف المعلمين، ومنذ أزمنة قديمة جدة، بالعمل بوصفه أداة رئيسة لتمكين الدولة الصينية. وفي غربي أوروبا، حدثت أولى التحسينات في الحكم غير التقليدي أو البيروقراطي، في العصور الحديثة، في دول يحكمها ملوك يتمتعون بصلاحية مطلقة ولو أنهم متفهمون كملوك بروسيا.
إن العلاقة ما بين الديمقراطية والبيروقراطية هي علاقة معقدة. فالديمقراطية الدستورية الحديثة تبدو أنها تتطلب انفصاله عن الاحتكار التقليدي للإدارة من قبل طبقة لها امتيازاتها من النبلاء، لصالح التوظيف المستند