الصفحة 330 من 358

إلى جدارة مسؤولي الدولة العاملين في إطار من القانون الراسخ والموضوعي. والبيروقراطية بهذا المعنى - أسلوب الحكم الذي يصفه ماکس ويبر بأنه «عقلاني - قانوني» يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى العوامل الكبيرة المحركة لآلية تطوير الديمقراطيات الرأسمالية الحديثة، وسببا رئيسا (ولو أنه لا يلقى تقدير كافية) النجاحهم. فقد أدت إلى تحسين فعالية المنظمات المنتشرة على نطاق واسع سواء العامة أم الخاصة بشكل كبير، وأسبغت الصفة العقلانية والروتينية على المهام التي تقوم بها هذه المنظمات. وأخضعتها لأحكام عادلة غير منحازة، وأوجدت أنماطة متخصصة من الخبرة مما جعل المعرفة العلمية تعتمد على الممارسة. وإن بناء كفاءات إدارية عصرية حقيقية هو أحد أهم التحديات وأكثرها تثبيطة للهمم التي تواجه القادة في أنحاء العالم الأقل تقدمة في العصر الحاضرة).

وتطرح البيروقراطية في نفس الوقت، وكما حذر ويبر كذلك، تحديات فريدة أمام رجال الدولة الديمقراطيين - وفي الحقيقة، أمام القادة السياسيين بشكل عام. وكما لاحظ ذات مرة في تعليق غالبا ما يجري ترداده: «الديمقراطية وبمجرد أن تتوطد تمامأ هي من بين تلك البنى الاجتماعية الأصعب على الهدم» . وهناك نزعة ضمنية في البيروقراطيات لتضخيم سيطرتها الخاصة على قوى السلطة الاجتماعية من أجل عرقلة أو تجاهل الإرادة الشعبية، ولتفادي الإشراف السياسي عليها نتيجة لشبه احتكارها للخبرة السياسية. وتلقى السيطرة السياسية الفعالة على الهيئات الحكومية صعوبة ليس فقط بسبب الفشل المحتم للقادة في إتقان لهجتهم الغريبة، وخبرتهم (عادة ما تكون متطورة تقنية ويقتصر فهمها على فئة ضئيلة) ولكن أيضا بسبب متطلبات سرية الحكم، حقيقية كانت أم مؤكدة، وفي الوقت نفسه، وعبر زيادة نطاق سلطة الدولة بشكل واسع فإن لدى البيروقراطية أيضأ نزعة لعزل الحكومات والقادة عن الشعب، ولأن البيروقراطية تؤدي بصورة كبيرة إلى زيادة تحكم الحكومات بالمجتمع، فإن الثورات الحديثة تتخذ شكل انقلاب أكثر من انتفاضات شعبية، أخيرا، كان ويبر مكتنبأ برؤيته لمستقبل حيث البيروقراطية ستؤدي إلى إضعاف المبادرة الفردية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت