عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ» [1]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ» [2]
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (7/ 215) (13758) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 176) (2687) وسنن ابن ماجه (1/ 633) (1968) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (9/ 410) (17721) حسن لغيره
[ش (تخيروا لنطفكم) أي اطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعدها من الخبث والفجور. (وأنكحوا إليهم) أي اخطبوا إليهم بناتهم] .
(تخيروا لنطفكم) أي تكلفوا طلب ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعدها عن الخبث والفجور ذكره الزمخشري، والنطفة الماء القليل، ويريد هنا المني، والمراد تخير المناكح فلا تختار إلا كفؤا والمنكح فلا ينكح إلا كفؤا كما يدل عليه قوله: (فانكحوا الاكفاء) أي الأمثال لكم أي زوجوا من هو مثل وهذا التخير من الولي لنطفة وليته. (وانكحوا إليهم) فيتخير الرجل لنطفته أي أنكحوهن إلى أكفائكم وفي الحديث دليل على اعتبار الكفائة. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 24)
(2) -الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 63) 141 - 86 - [ش أخرجه مسلم في النكاح باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع رقم 1434 (يبلغ به النبي) أي يرفع الحديث ويصل به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس موقوفا على ابن عباس. (إذا أتى أهله) جامع زوجته والوقاع الجماع. (ما رزقتنا) أي من ولد]
ما يؤخذ من الحديث:
1 -يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث سنة من آداب الجماع، وهو أنَّه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أن يقول: باسم الله، فإنَّ اسم الله تعالى يحل البركة والخير فيما تقدم عليه، وترك اسم الله يجعل الشيء ناقصًا مبتورًا.
2 -أما الذِّكر الثاني عندَ الجِمَاع فهو أن يقول:"اللهمَّ جنبِّنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا"فهذا الدعاء المبارك، وتلك الاستعاذة، من شأنها إذا قبلها الله تعالى"فإنَّه إن يقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان"، ويبقى محفوظًا مصونًا من الشيطان الرجيم.
قالت المرأة الصالحة امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) } [آل عمران] .
قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] .
3 -أسباب العصمة من الشيطان كثيرة منها الحسي، ومنها المعنوي: فهذا الدعاء من الوقاية المعنوية من الشيطان ونزغاته، فإذا وُجِد معه أيضًا الأسباب الأُخرى، وانتفت الموانع، وجد المسبَّب الذي رتِّب عليه، وهو العصمة من الشيطان، وإنْ لم توجد الأسباب، أو وجد ولكن حصل معها الموانع، لم يقع المسبَّب
4 -غالب أعمال الإنسان وعاداته لها أذكار؛ من دخول المنزل، والخروج منه، والأكل، والشرب، والفراغ منهما، وعند النوم، والاستيقاظ، وغير ذلك من التصرفات، فينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه الأذكار؛ ليكون من {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} .
5 -أفضل ما يحصن به الإنسان نفسه من عدوه الشيطان هو ذكر الله تعالى، الذي منه الأوراد الشرعية؛ من كتاب الله ومما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
6 -الذكر المذكور ليس واجبًا، وإنما هو مستحب عند هذه الحالة، وسياق الحديث يدل على هذا.
7 -وفيه دليلٌ على أنَّ الشيطان لا يُفارق ابن آدم، بل يُلازمه، ويُتابِع أعماله؛ ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، ولكن الفَطِن هو الذي لا يدع فرصة له؛ وذلك باستحضار ذكر الله. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (5/ 368)