فَلَمَّا صَلَّى وَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ» [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعِشَاءَ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا فَوَضَعَهُمَا وَضْعًا رقيقا، فَإِذَا عَادَ عَادًا، فَلَمَّا صَلَّى جَعَلَ وَاحِدًا هَا هُنَا وَوَاحِدًا هَا هُنَا، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أَذْهَبُ بِهِمَا إِلَى أُمِّهِمَا؟ قَالَ: لاَ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةً، فَقَالَ: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا، فَمَا زَالا يَمْشِيَانِ فِي ضَوْئِهَا حَتَّى دَخَلا" [2] "
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ: أَحْسِبُهُ - فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَامُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا" [3] "
(1) - السنن الكبرى للنسائي (7/ 318) (8114) صحيح
(2) - المستدرك للحاكم (4782) وصححه ووافقه الذهبي
(3) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 636) 6203 - 1758 - [ش أخرجه مسلم في الآداب باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته .. رقم 2150 (فطيم) مفطوم قد انتهى رضاعه. (ينضح) يرش بالماء]
( «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَيُخَالِطُنَا» ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَتُسَمَّى لَامَ الْفَارِقَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلشَّمَائِلِ لَيُخَاطِبُنَا، وَالْمَعْنَى: لَيُخَالِطُنَا غَايَةَ الْمُخَالَطَةِ، وَيُعَاشِرُنَا غَايَةَ الْمُعَاشَرَةِ، وَيُجَالِسُنَا وَيُمَازِحُنَا. (حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي) أَيْ: مِنْ أُمِّي وَأَبُوهُ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ (صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمُهُ كَبْشَةُ (مَا فَعَلَ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، أَيْ: مَا صَنَعَ (النُّغَيْرُ؟) : بِضَمٍّ فَفَتَحٍ، تَصْغِيرُ نُغَرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، طَائِرٌ يُشْبِهُ الْعُصْفُورَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعُصْفُورُ، وَقِيلَ: هُوَ الصَّعْوُ صَغِيرُ الْمِنْقَارِ أَحْمَرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَهُ الْبُلْبُلَ، وَالْمَعْنَى: مَا جَرَى لَهُ حَيْثُ لَمْ أَرَهُ مَعَكَ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَى فَقْدِهِ بِمَوْتِهِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ( «كَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ» ) أَيِ: النُّغَيْرُ، وَحَزَنَ الْوَلَدُ لِفَقْدِهِ عَلَى عَادَةِ الصِّغَارِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: (حَتَّى) غَايَةُ قَوْلِهِ: (يُخَالِطُنَا) وَضَمِيرُ الْجَمْعِ لِأَنَسٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، أَيْ: انْتَهَتْ مُخَالَطَتُهُ لِأَهْلِنَا كُلِّهِمْ حَتَّى الصَّبِيُّ، وَحَتَّى الْمُلَاعَبَةُ مَعَهُ، وَحَتَّى السُّؤَالُ عَنْ فِعْلِ النُّغَيْرِ. وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ إِلَّا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأُمُّ سُلَيْمٍ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفِعْلُ التَّأْثِيرُ مِنْ جِهَةٍ مُؤَثِّرَةٍ، وَالْعَمَلُ كُلُّ فِعْلٍ يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ بِقَصْدٍ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَقَعُ مِنْهَا بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْجَمَادَاتِ. اهـ كَلَامُهُ. فَالْمَعْنَى: مَا حَالُهُ وَشَأْنُهُ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَوْ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، وَصَارَ الْمَعْنَى: مَا فُعِلَ بِهِ؟. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّ صَيْدَ الْمَدِينَةِ مُبَاحٌ بِخِلَافِ صَيْدِ مَكَّةَ. قُلْتُ: لَوْ ثَبَتَ هَذَا لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَدِينَةَ لَهَا حَرَمٌ أَمْ لَا. لَكِنْ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ نَصٌّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْمَدِينَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ خَارِجِهَا وَأُدْخِلَ فِيهَا. وَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لَوْ أُخِذَ خَارِجَ مَكَّةَ، ثُمَّ أُدْخِلَ فِي الْحَرَمِ وَذُبِحَ كَانَ حَلَالًا
عِنْدَهُمْ، فَكَذَا هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ لِيَلْعَبَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَذِّبَهُ. قُلْتُ: هَذَا فَرْعٌ آخَرُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، إِذْ لَوْ ثَبَتَ حَرَمِيَّةُ الْمَدِينَةِ لَوَجَبَ إِرْسَالُ الصَّيْدِ إِنْ أُخِذَ مِنْهَا، وَكَذَا عِنْدَنَا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. قَالَ: وَإِبَاحَةُ تَصْغِيرِ الْأَسْمَاءِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اللُّطْفِ وَالشَّفَقَةِ، لَا سِيَّمَا وَفِيهِ مُرَاعَاةُ السَّجْعِ، وَهُوَ مُبَاحُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِالتَّكَلُّفِ. قَالَ: وَإِبَاحَةُ الدُّعَابَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؟ قُلْتُ: بَلِ اسْتِحْبَابُهُ إِذَا كَانَ تَطْيِيبًا وَمُطَايَبَةً. قَالَ: وَجَوَازُ تَكَنِّي الصَّبِيِّ وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْكَذِبِ. قُلْتُ: لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّفَاؤُلُ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْكَبِيرِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَهِيَ أَنْ يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَيْتٍ فِيهِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ. قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ جَوَازَ الْخَلْوَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَهُوَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا، فَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا شُبْهَةَ فِي جَوَازِهِ، حَتَّى مَعَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ أَيْضًا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الْخَلْوَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ جَوَازُهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَعَ كَوْنِهِ مَعْصُومًا مَعَ أَنَّهُ أَبٌ لِلْأُمَّةٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ وَلِيًّا، فَإِنَّ الْحِفْظَ مَرْتَبَةٌ دُونَ الْعِصْمَةِ، وَلِذَا لَمَّا سُئِلَ الْجُنَيْدُ: أَيَزْنِي الْعَارِفُ؟ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَإِنَّمَا أَطَلْتُ هَذَا الْمَبْحَثَ لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالْمُبَاحِيَّةِ، مَعَ أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي جَلَالَةِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ ; حَيْثُ أَثَّرَ نَظَرُهُ فِي الْكَلْبِ. قَالَ: وَأَنْ يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا هُوَ عَالِمٌ بِهِ تَعْجُّبًا مِنْهُ. قُلْتُ: هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ عِلْمِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَوْتِ النُّغَيْرِ، لِاحْتِمَالِ صُدُورِ هَذَا الْقَوْلِ بِمُجَرَّدِ فَقْدِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ حُصُولِ مَوْتِهِ. قَالَ: وَفِيهِ كَمَالُ خُلُقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَّ رِعَايَةَ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِمَالَةُ قُلُوبِ الصِّغَارِ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ فِي قُلُوبِهِمْ. قُلْتُ كَيْفَ لَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِهِ الْكَرِيمِ فِي كَلَامِهِ الْقَدِيمِ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3061)