فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 57

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَفَعَهُ قَالَ:"وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ - وَقَالَ مُسَدَّدٌ: عِنْدَ الْمَسَاءِ - فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً" [1]

(1) - سنن أبي داود (3/ 339) (3733) صحيح

قال جماعة، إن الأمر هنا للإرشاد؛ إذا المقصود به تحقيق مصالح دنيوية، ويحتمل أن يكون للندب.

ولماذا لا يكون للوجوب إذا خشي من المخالفة ضرر بالنفس أو المال؟ فإن أمن الضرر فلا وجوب، فأول الخمسة إطفاء المصابيح عند الرقاد ليلا.

وقد جاء تعليل ذلك في رواية «بأن الفويسقة- الفأرة- ربما جرّت الفتيلة. فأحرقت أهل البيت» .

فالإنسان حينما ينام يفقد الشعور بما يجري والتيقظ لما يحدث، وما النوم إلا وفاة غبها حياة اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فالإحتياط والحكمة إطفاء السرج التي لا يؤمن وقوعها باحتكاك فأرة. أو صدمة قطة أو عبث حيوان. أو حركة إنسان، أو عصفة ريح، أو يخشى التهاب ذبالتها واشتعال فتيلتها، من هواء يلعب بها، أو ينحبس عنها. أو وسخ في زيتها أو خلل في آلتها. فتتصل النار بما تجد. فإذا الحريق يلتهم الإنسان والحيوان، والبيت والمتاع. على حين غفلة. فيصعب الإطفاء ويعظم الخسار، فإن كان انقلاب السراج مأمونا؛ أو أحيط بما يمنع اتصاله بغيره لو وقع؛ أو كان نادر الخطر أو عديمه كالمصابيح الكهربائية، فلا حرج في تركه إن كانت مصلحة؛ وكذلك الحكم في المواقد لا ننام عنها متقدة نارها، وخاصة إذا كان الفحم وقودها، فربما وقع منها على الفراش؛ وربما استنفدت أو كسجين الحجرة؛ فمات النيام مختنقين. وكم للمواقد والمصابيح من حوادث خطيرة نشأت من ترك الاسترشاد بهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وثانيها- إغلاق الأبواب ليلا:

فإنه يمنع الحيوان أن يتسرب إلى الخارج وأهله عنه غافلون. ويمنع السباع أن تدخل المنازل. فتفتك بالطيور الداجنة أو الحيوان أو تعتدي على الإنسان ويحول دون الشياطين من الإنس أو يكون عقبة في سبيلهم. فلا يسرقون وينهبون: ولا يعتدون ويسفكون. وإذا كان النهي عن المنكر واجبا فالحيلولة بينه وبين من رامه لازمة ومن الحيلولة أن تسد عليه الطريق، وتجيف دونه الباب.

وثالثها ورابعها- إيكاء الأسقية التي فيها الماء:

وتغطية الأوعية التي فيها الأطعمة والأشربة. فإن ذلك وقاية لها من الجراثيم المنتشرة .. وصيانة لها من الأتربة والأشياء القذرة، ومنعا للهوام والحشرات عنها وللطيور أن تلوثها، وللحيوان أن يلغ فيها، فتبقى سليمة مما يفسدها؛ فيطعمها المرء هنيئا ويشربها مريئا.

وخامسها: كفت الصبيان إذا ما جنّ الليل، وإيواؤهم إلى المنازل؛ والرجوع بهم إلى المضاجع. فإن ذلك يطمئن أهليهم. ويحول دون ضلالهم في ظلام الليل، ويمنع غشيانهم لمجالس الفجار، التي تنفق بالليل؛ تستّرا بجلبابه الحالك، وارتيادا لأهل الريب والفساد، والليل كثير المخاطر، والصبيان طائشة العقول لا يحسنون الاحتراس، ولا يأخذون الحذر فربما صدمتهم عقبة أو سقطوا في حفرة. أو دهمتهم عربة، أو فجأتهم قاطرة، أو لسعتهم عقرب أو آذاهم شيطان؛ فكانت الحكمة أن يأرزوا إلى بيوتهم، ويمرحوا في رعاية آبائهم وأمهاتهم، أو يناموا تحت أستارهم؛ وأما الجن أو الشياطين- كما جاء في رواية- الذين ينتشرون بالليل، ويخشى منهم على الصبيان إذا بقوا في الخلاء، فهم عالم يروننا ولا نراهم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ.

ومردة الجن هم الشياطين كما أن من الإنس شياطين كما صرح بذلك القرآن ولا مانع من أن تمتد يدهم بالإيذاء إلى الصبيان الذين لا تحوطهم رعاية الآباء والأمهات، كما تمتد أيدي الشياطين منا إلى أبنائنا بالشتم والضرب. واللطم والخطف وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.

ومن غريب الاستنباط أو عجيبه ما قال بعض الفقهاء: إن الحديث يدل على مشروعية وضع اليد على الفم عند التثاؤب لدخوله في عموم الأبواب مجازا؟؟ الأدب النبوي (ص: 176)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت