أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟» ، قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ» ، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ" [1] "
(1) - صحيح البخاري (3/ 158) (2587)
معنى الحديث: أن بشير بن سعد الأنصاري كان له عدة أبناء، وكان ابنه النعمان محظوظًا عنده، فوهب له غلامًا من غلمانه، وخصه بهذه العطية دون بقية إخوانه، فأرادت أمه عمرة بنت رواحة أن توثق وتؤكد هذه الهبة وتثبتها بالبينة والشهود، حتى لا يستطيع أحد إبطالها، فقالت لزوجها كما في رواية أخرى للبخاري:"لا أرضى حتى يشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"وغرضها من ذلك تثبيت العطية، عند ذلك"أتى به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نحلت ابني هذا"أي أعطيت ابني هذا وهو النعمان"غلامًا"أي عبدًا من عبيدي، وفي الرواية الأخرى قال:"إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله"فقال:"أكل ولدك نحلت مثله؟"وفي رواية مسلم:"كلهم وهبت لهم مثل هذا""قال: لا، قال: فأرجعه"، أي فاسترجع هبتك هذه لما فيها من ظلم الآخرين من أبنائك، وأبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتم هذه المعاملة، أو يشهد عليها وعد ذلك جورًا، كما جاء مصرحًا به في رواية ابن حبان والطبراني أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا أشهد على جور"، وفي رواية لمسلم:"فإني لا أشهد على جور".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب المساواة بين الأبناء في جميع الحقوق المالية، وعدم تخصيص بعضهم بهدية أو هبة أو عطية دون الآخرين، لما يترتب على ذلك من زرع العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقطع الصلات الودية بينهم، ولما في ذلك من الظلم والإِجحاف بحقوق الآخرين، وقد تمسك بهذا الحديث من أوجب التسوية في العطية بين الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو مذهب طاووس والثوري وأحمد بن حنبل وبعض المالكية، وقالوا: إن التفضيل بينهم باطل، وجورٌ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء"وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة والتفضيل مكروه فقط، وإن فعل ذلك نفذ، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة منها: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال أبيه، حكاه ابن عبد البرّ. وتعقب بأن الكثير من طرق الحديث مصرحة بالبعضية كما في حديث مسلم حيث قال:"تصدق علي أبي ببعض ماله". ومنها: أن قوله:"ارجعه"دليل الصحة، ولو لم تصح الهبة لما صح الرجوع، قالوا: وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهب لولده، وتعقبه"الحافظ"بأن معنى قوله:"ارجعه"أي لا تمض الهبة المذكورة ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. ومنها: أنه قد ثبت عن الصديق أنه نحل ابنته عائشة، وروى الطحاوي عن عمر أنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده، ولو كان التفضيل غير جائز لما وقع من الخليفتين، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوانها كانوا راضين، قال الحافظ: ويجاب بمثل ذلك في قصة عاصم. ومنها: أن الإِجماع انعقد. على جواز عطية الرجل لغير ولده فجوازه للولد أولى، وأجاب عنه الحافظ بأنه قياس مع النص وهو باطل. قال ابن قدامة: يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يفيد التفضيل، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما ردّ ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر. قال طاووس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. وروي معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء. وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: ذلك جائز لأن أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده. واحتج الشافعي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"أشهد على هذا غيري"حيث أمره بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو ساوى بينهم. قال ابن قدامة: ولنا ما روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء أبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشهده على صدقته، فقال:"أكل ولدك أعطيت مثله"، قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"قال فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي لفظ"فاردده"وفي لفظ"فارجعه"وفي لفظ"لا نشهد على جور"وفي لفظ"سوِّ بينهم"وهو حديث صحيح متفق عليه، وفيه دليل على التحريم، لأنّه سماه جورًا وأمر بردّه وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضى الوجوب - وتفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزوج المرأة على عمتها أو خالتها، وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يحتجُّ به معه، ويحتمل أنّ أبا بكر رضي الله عنه خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك، ويحتمل أنه قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل هديته على هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من أبي بكر اجتناب المكروهات وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"فاشهد على هذا غيري"ليس بأمر، لأن أدنى أحوال الأمر الندب والاستحباب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده مع أمره برده وتسميته جورًا، وحمل الحديث على هذا حملٌ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التناقض والتضاد. قال ابن قدامة: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، لقوله في تخصيص بعضهم بالوقوف لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه. قال ابن قدامة: ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل والتخصيص على كل حال، لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل بشيرًا في عطيته والأوّل أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها، وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال. اهـ. ثانيًا: مشروعية الإِشهاد في الهبة لاثباتها وتوثيقها وتأكيدها قال العيني: وفيه أن الإِشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب ولا تتوقف عليه صحة الهبة شرعًا، لأنه ليس ركنًا من أركانها، والإِشهاد وإن لم يصرح به في حديث الباب، فقد صرح به في الروايات الأخرى، وكلها حول قصة واحدة، وقد قال في حديث الباب"إنّ أباه أتى به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إني نحلت ابني هذا غلامًا"ومعناه أنه أخبره - صلى الله عليه وسلم - بإعطاء الغلام له لِيُشْهِدهُ على ذلك كما جاء في الروايات الأخرى، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 11)