مما لاشك فيه أن الإنتاج ضروري وهام لقيام حياة الإنسان كما صوره الإمام الغزالي في أن اللَّه عز وجل خلق الموارد للإنسان في صورة يلزم معها صنعة الإنسان فيها حتى تصبح صالحة لأشباع حاجاته ويتساوى في القول بذلك الفكر الوضعي مع الفكر الإسلامي، ولكن ما يميز الفكر الإسلامي في هذا المجال هو الارتقاء بالأنتاج وأهميته إلى درجة الوجوب الشرعي، بما له من الزام ومسئولية أمام اللَّه عز وجل، يدل على ذلك ما يلي:
أ- أمر اللَّه عباده باعمار الأرض في قوله تعالى هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [1] ويقول المفسرون في معنى ذلك أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه دلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والابنية [2] .
ولن يكون ذلك إلا بالنشاط الإنتاجي الذي يأمر اللَّه به لأن"استعمركم فيها"أى طلب منكم عمارتها والطلب المطلق من اللَّه عز وجل لدى الأصوليين على الوجوب.
ب- ومن الهدى النبوى الشريف ما ورد عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في قوله"العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال" [3] وطلب الحلال في المجال الاقتصادي يشمل كل عمل يقوم به الإنسان لاشباع حاجياته من نشاط زراعي وصناعي وخدمي ويرتقي به الإسلام إلى درجة العبادة، بل أنه يمثل 90% من العبادة لأنه بالعمل المنتج يستعين الإنسان على أداء باقي العبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج ... والتي تمثل 10% من العبادة.
بل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحث على العمل والإنتاج ينفر من البطالة حتى ولو كان لدى الإنسان ما يكفيه فيقول صلى اللَّه عليه وسلم"أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي الفارغ" [4] أى الذي لا يعمل لأن دخله يكفيه.
جـ- من المعروف أن لكل إنسان حقا في أن يشبع حاجياته لكى يعيش ولكن في مقابل هذا الحق فإن عليه واجبا في أن يعمل لكى ينتج ما يحتاجه، ويصور أحد المفكرين المسلمين [5] الحق في هذا المجال بأنه الاستهلاك والواجب بأنه الإنتاج ويخلص من سرد قصة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع السائل الذي أتاه يسأله يوما لقمة عيش فأشار عليه الرسول بأن
(1) ... سورة هود - الآية 61.
(2) ... الخصاص -أحكام القرآن- دار الكتاب العربي ج 3 ص 165.
(3) ... عبد الوهاب الوصابي"البركة في فضل السعى والحركة"مكتبة الخانجي- القاهرة 1354 هـ ص 29.
(4) ... أخرجه الديلمي في مسند الفردوس.
(5) ... مالك بن نبى - مرجع سابق ص 106 - 107.