الصفحة 20 من 43

حصل في إدارة الأوقاف من اللامركزيّة المطلقة التي كانت سائدة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المركزية النسبيّة في العصور التي تلت ذلك العصر.

ولقد سار الخلف على طريق السّلف، فكثرت الأوقاف في الحجاز، وفي بقية ديار الإسلام المفتوحة، خاصة في العراق ومصر والشام، فلما كثرت هذه الأوقاف احتاجت لمّن ينظم شؤونها.

ولقد تدخّل القضاء لتنظيم إدارة الأوقاف، وكان أوّل من فكّر بذلك القاضي «توبة بن نمير» ، قاضي الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك على مصر، فأوجد لها تنظيمًا، وأنشأ لها ديوانًا مستقلًا عن بقية الدواوين، ووضغه تحت إشرافه. ويعد هذا الديوان أوّل تنظيم للأوقاف ليس في مصر فحسب، بل في كافة الجهات الإسلامية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأوقاف تابعة للقضاة، وصار من المتعارف عليه أن يتولى القضاة النظر على الأوقاف؛ بحفظ أصولها وقبض ريعها وصرفه في أوجه صرفه. وبهذه الخطوة انتقلت إدارة الأوقاف من اللامركزيّة الإداريّة المطلقة؛ حيث حتى ذلك التاريخ لم يتدخل القضاء بصفته مؤسّسة تابعة للدولة في إدارة الأوقاف، إلى المركزية الإدارية النسبيّة. وكان بعض القضاة يتفقد الممتلكات الوقفية، ويرعى شؤونها بنفسه، فمثلًا نجد أبا طاهر الحزمي قاضي مصر في سنة 173 هـ يتفقد الأوقاف ثلاثة أيام في الشهر، فيذهب مع العاملين معه ومعهم العاملين عليها، فيأمر بترميمها وإصلاحها إذا وجدها بحاجة لذلك، أمّا إذا وجد تقصيرًا من المتولين أو من غيرهم عاقبهم على ذلك.

وازداد تدخل القضاء في إدارة الممتلكات الوقفية في عهد الدولة الفاطمية، وذلك في زمن الخليفة المعزّ، فقد وضعت الأوقاف تحت سلطة قاضي القضاة، وأنشئت مؤسسة خاصّة سميت باسم «بيت مال الأوقاف» لاستلام الموارد العامة التي تغلها أوراق هذا الديوان بعد انتهاء رمضان من كل سنة، لأنّ أموال الأوقاف وإدارتها لم تكن جزءًا من الإدارة العامة. وبذلك وضعت تحت إشراف القضاء لكي يتحقق من أنّ معاملاتها تتم وفق الشريعة وإرادة الواقفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت