وهذا النوع من الوقف هو الذي كان سائدًا في التاريخ الإسلامي، وهو الذي أثرى الحضارة الإسلامية، وعالج المشكلات التي واجهت المجتمع الإسلامي، ويمكن أن يدرج في أيامنا ضمن المصطلح المتعارف عليه «القطاع الأهلي» أو «النظارة الأهلية» .
وهناك فرق واحد بين الوقف الخيري المستقلّ المعاصر والوقف الخيري الخاص الذي كان موجودًا في العصور الإسلامية الزاهية من حيث ممارسة الشكل الإداري، فالذي يدير الوقف في النوع التاريخي للوقف فردٌ واحد، ويسمّى بناظر الوقف؛ وقد يكون الواقف نفسه أو من يعينه الوقف، وذلك على خلاف الشكل الإداري المعاصر للوقف الخيري المستقل، والذي تأثر بالنمط الإداري للحمعيات والشّركات؛ والذي ولد في المجتمعات الغربية، ودخل في أيامنا إلى المجتمعات الإسلاميّة؛ بما فيها إدارة الوقف. ويتمثّل ذلك النمط الإداري بوجود «مجلس إدارة» يشرف على إدارة الجمعيات والشركات وله رئيس، وهو النمط الذي تمّ اعتماده في إدارة"الوقف الخيري المستقل". وخلاصة ما تقدّم أنّ الفرق بين الوقفين يتمثّل بإدارة الوقف الخيري التاريخي من خلال فرد، وإدارة"الوقف الخيري المستقل"المعاصر من خلال جماعة أو هيئة أو مجلس إدارة، وكِلا الوقفين يتشابهان بممارسة العمل الإداري دون تدخّل من الدولة إلا ما كان من رقابة القضاء الشّرعي. وهو ما يدرج ضمن «لامركزية الإدارية» إلا ما كان من عنصر الرقابة. ويتمثّل التنظيم الإداري أو الهيكلية الإدارية للوقف الخيري المستقل بوجود ناظر الوقف، الذي يعتبر رئيس الهيئة أو المجلس المشرف على إدارة الوقف، بالإضافة إلى منصب «المتولّي» الذي يعتبر نائب الناظر، والذي تعتمده بعض الأوقاف، ثم الهيئة الإدارية أو المجلس الإداري الذي يشرف على إدارة الوقف. وهذه الهيكلية تمارس إدارة الإِشراف، أما الإدارة التنفيذية فتتمثّل بجهاز إداري آخر، يتمثّل بالمدير العام للوقف، بالإضافة إلى مدراء الأقسام (مدير قسم المحاسبة، مدير قسم الاستثمار، مدير قسم الأنشطة ... ) . وهؤلاء جميعهم من القطاع الخاص في جميع المستويات الإدارية العليا والوسطى والدنيا.
ويقترح البَاحِث تعميم هذا النظام على البلاد الإسلامية، لأنّه يعود بالوقف إلى طبيعته التي كان موجودًا عليها في تاريخ الحضارة الإسلامية، مع تطوّر في شكل الإدارة تمثل بوجود القيادة الجماعية، وهو الذي يطبق حاليًا في المؤسسات الوقفية الغربية، وأدّى بالتالي إلى نجاحها في خدمة مجتمعاتها.