الصفحة 32 من 54

إن أفضل من بيّن الميزان الصحيح في تفاضل أعمال البر هو الأمام ابن القيم رحمه الله، حيث قسمها إلى أربعة أصناف: صنف يرى أن أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها، وصنف يرى أنّ الأفضل ما تميّز منها بالتجرد والزهد في الدنيا، وصنف يرى أن أفضلها ما كان نفعه متعد إلى الغير. ورأى أصحاب الصنف الأخير أن الاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم أفضل من الأعمال القاصر نفعها على أصحابها، وقالوا العابد قاصر نفع عمله على نفسه.

والنّفاع متعد عمله إلى غيره، ومثلوا له بالأفضلية الموجودة بين العالم والعابد] 54، ص 71[.

واستدلوا له بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (لأن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من حمر النعم) ]12،ج 3، ص 1077 [و] 11،ج 4، ص 1872 [[1] .

ثم رجح ابن القيم ما ذهب إليه أهل الصنف الرابع: وهو أن أفضلها ما كان مبنيا العمل فيه على مرضاة الله، في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فيقدم كل عبادة في وقتها التي شرعت فيه. وعبارته: (فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضات الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه) ]54، ص 72 [.

ولذلك سماهم أهل التعبد المطلق، وسمي الأصناف الأخرى أهل التعبد المقيّد، وهكذا الأبرار هم من أهل التعبد المطلق، ليس لهم غرض في تعبد بعينه، يفضلونه على غيره، بل يتنقلون في منازل العبودية بما يرضي خالقهم. فإن رأيت العلماء رأيتهم معهم،

(1) متفق عليه انظر البخاري في الجهاد والسير باب دعاء النبي إلى الإسلام 3/ 1077، رقم 2783، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي 4/ 1872، رقم 2406.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت