فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 51

المبحث الثاني

الأحاديث القدسية الأربعين المختارة

1 -قسمة الصلاة بين العبد وربه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ» ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"رواه مسلم [1] .

(1) - صحيح مسلم (1/ 296) 38 - (395)

(خداج) قال الخليل بن أحمد والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والهروي وآخرون الخداج النقصان قال يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلقة وأخدجته إذا ولدته ناقصا وإن كان لتمام الولادة ومنه قيل لذي اليدين مخدوج اليد أي ناقص قالوا فقوله - صلى الله عليه وسلم - خداج أي ذات خداج وقال جماعة من أهل اللغة خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام (قصمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) قال العلماء المراد بالصلاة هذا الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها]

والمعنى: أن الله تباركت أسماؤه، وتنزهت صفاته أخبرنا: أن الفاتحة التي اشتملت عليها الصلاة، وقسمها بينه عزوجل وبين عبده نصفين، فيصح أن تكون القسمة من جهة المعنى دون اللفظ؛ لأن نصف الدعاء يزيدعلى نصف الثناء، ونصفها الأول تحميد لله تعالى ذكره، وتمجيد له، وثناء عليه. ونصفها الثاني سؤال، وتضرع، وافتقار، ويحتمل أن تكون باعتبار اللفظ؛ لأنها سبع آيات بدليل حديث أول الكتاب، قال الله تعالى:"ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات: ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك ... الحديث"فثلاث منها ثناء، وثلاث دعاء، والآية المتوسطة نصفها ثناء، ونصفها دعاء، فنصفها لله عز وجل خاص به، وهي الثلاث الآيات الأول، ونصفها للعبد خاص به، وهو من {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] إلى آخر السورة.

وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] بين الله عزوجل وبين عبده. قال أستاذنا الجليل الشيخ محمود محمد خطاب السبكي رحمه الله تعالى في شرحه على سنن أبي داود: وإضافة العبد إلى ربه؛ لتحققه بصفة العبودية، وقيامه بحق الربوبية، وشهوده لآثارهما وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار، التي يتحلى بها الأحرار عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غاية الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق؛ وصف الله تعالى به نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في مقام الكرامة، فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} "الإسراء:1" {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] وقال: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم:10] وقوله في الحديث:"ولعبدي ما سأل"أي: أن الله عز وجل وعد عبده إذا سأله شيئا أن يعطيه، ويمنحه إياه، ويجيب دعاءه بشرط أن يكون مشروعًا، غير مشتمل على ما يمنع شرعًا، وعقلًا. وقوله:"إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين"بيان للصلاة التي قسمها عز وجل بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر - صلى الله عليه وسلم - ما يقول الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد: أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه عليه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته سماعًا يليق بعظمته وجلاله، فكل حمد، وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى؛ لأنه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق، والإيجاد، والتربية، والتنمية، وهو الرحمن، كثير الرحمة، وغزيرها التي وسعت كل شيء، ورحيم بعبادي، يعفو، ويصفح، يكرم، ويحلم، وهو المالك ليوم الدين، له السلطان المطلق، والسيادة التي لا نزاع فيها حقيقة لا ادِّعاء، والعالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخاف عذابه ذلك اليوم يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم العرض على رب الأرباب، يوم تظهر فيه الأعمال، ويقول كل شخص: نفسي! نفسي! يوم لا يملك الإنسان شيئًا، بل الأمر كله يومئذ لله. قال الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 17 - 19] أخرج ابن جرير، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود وناس من الصحابة: أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب، وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد. وابن جرير عن قتادة قال: يوم الدين يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وهو الذي يعبد وبه يستعان؛ أي: لا يعبد غيره، ولا يستعان استعانة حقيقة إلا به، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، فاجتث الله بقوله ذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم الغابرة، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، تعتقد لهم السلطة الغيبية، ويدعون لذلك من دون الله: ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بها إلى الله زلفى. وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد، ومقارعة المشركين، هو تفصيل لهذا الإجمال. وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]

6"الهداية: الإرشاد، أوالتوفيق، أوالإلهام، أوالدلالة. والصراط: الطريق. والمستقيم: الواضح الذي لااعوجاج فيه -وهو دين الإسلام- ممن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، غير طريق المغضوب عليهم، ولا الضالين، أي: غير المنعم عليهم، وهما فريقان: فريق ضل عن صراط الله، وفريق جحد، وعائد من يدعو إليه، فكان محفوفًا بالغضب الإلهي، والخزي في هذه الحياة الدنيا، وهما: اليهود والنصارى. اللهم اهدِ الخلق لأقْوَم الطرق، وأوضحها، وأسهلها، وهو دين الإسلام الذي ليله كنهاره، لا يضل عنه إلا هالك. وفي هذا القدر كفاية. والله أعلم. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 140) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت