فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 51

10 -ما أعدَّ الله لعباده الصالحين يوم القيامة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ، مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] "متفق عليه [1] .

(1) - صحيح البخاري (6/ 115) (4779) وصحيح مسلم (4/ 2174) 2 - (2824)

(مثله) أي مثل ما في الحديث. (رواية) تروي هذا رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم تقوله عن اجتهاد منك. (فأي شيء) كان لولا الرواية. (قرات) جمع قرة وهي ما تقر به العين أي تسر برؤيته النفس. وهي قراءة غير متواترة]

أعددت: هيأت لعبادي الصالحين شيئًا لم تر العيون مثله، ولا سمعت الآذان به، ولا خطر على قلب أحد من البشر، ولا شك أن نعيم الجنة وتحفها شيء لا يمكن للإنسان أن يصفه؛ لأنه باقٍ لا يلحقه التغيير، والانحلال، ولا العطب، والاضمحلال، بخلاف ملذات الدنيا، ونعيمها، فإنها سريعة الفناء، قليل الانتفاع بها. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 37)

قالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَا) هُنَا إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَعَيْنٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَأَفَادَ الِاسْتِغْرَاقَ، وَالْمَعْنَى مَا رَأَتِ الْعُيُونُ كُلُّهُنَّ وَلَا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَالْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، فَيُحْتَمَلُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْنِ مَعًا، أَوْ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ فَحَسْبُ، أَيْ: لَا رُؤْيَةٌ وَلَا عَيْنٌ، أَوْ لَا رُؤْيَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الْغَرَضُ مِنْهُ الْعَيْنُ، وَبِهَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الرُّؤْيَةُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمَوْصُوفِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَبَلَغَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَى أَنْ صَارَ كَالشَّاهِدِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَةِ وَعَكْسِهِ (وَلَا أُذُنٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الذَّالُ (سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ) أَيْ: وَقَعَ (عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [غافر: 52] أَيْ: لَا قَلْبٌ وَلَا خُطُورٌ، أَوْ لَا خُطُورًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُمْ قَلْبٌ مُخْطِرٌ، فَجَعَلَ انْتِفَاءَ الصِّفَةِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الذَّاتِ أَيْ: إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْإِخْطَارُ فَلَا قَلْبَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] "."

فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الْبَشَرَ هُنَا دُونَ الْقَرِينَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ وَيَهْتَمُّونَ بِشَأْنِهِ وَيَخْطُرُونَ بِبَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْحَدِيثُ كَالتَّفْصِيلِ لِلْآيَةِ، فَإِنَّهَا نَفَتِ الْعِلْمَ، وَالْحَدِيثُ نَفَى طَرِيقَ حُصُولِهِ. (وَاقْرَءُوا) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْعَاطِفُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ؛ لِقَوْلِهِ: إِنْ شِئْتُمْ أَيْ: أَرَدْتُمُ الِاسْتِشْهَادَ وَالِاعْتِضَادَ {فَلَا تَعْلَمُ} [السجدة: 17] : فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ اقْرَءُوا أَوِ التَّقْدِيرُ آيَةً فَلَا تَعْلَمُ: نَفْسٌ أَيْ: مُقْتَضَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ {مَا أُخْفِيَ لَهُمْ} [السجدة: 17] : قَرَأَ الْجُمْهُورُ"أُخْفِيَ"بِتَحْرِيكِ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ مُسْنَدٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ"نُخْفِي"بِنُونِ الْعَظَمَةِ، وَقُرِئَ"أَخْفَى"بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: {مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] ، الْكَشَّافُ: لَا تَعْلَمُ النُّفُوسُ كُلُّهُنَّ وَلَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَيَّ نَوْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الثَّوَابِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِأُولَئِكَ وَأَخْفَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِمَّا تَقَرُّ بِهِ عُيُونُهُمْ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَلَا مَطَمَحَ وَرَاءَهُمَا. وَفِي"شَرْحِ السُّنَّةِ": يُقَالُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، وَمَعْنَاهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَتَهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ، حَكَاهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ بَلَّغَكَ اللَّهُ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى بِهِ نَفْسُكَ وَتَقَرَّ عَيْنُكَ وَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: فَعَلَى هَذَا الْأَوَّلُ مِنَ الْقُرَّةِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعْدَدْتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وَيُعَضِّدُهُ سُكْنَى آدَمَ وَحَوَّاءَ الْجَنَّةَ، وَلِمَحَبَّتِهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَهْجِ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْأَعْلَامِ، كَالنَّجْمِ وَالثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ مُتَكَاثِفٍ أَغْصَانُ أَشْجَارِهَا، ثُمَّ غَلَبَتْ".مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3574) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت