عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» رَواهُ البُخَارِيُّ ومسلم [1] .
(1) - صحيح البخاري (9/ 157) (7536) وصحيح مسلم (4/ 2067) 20 - (2675)
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ: إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا , هَذَا مَثَلٌ وَمَعْنَاهُ حُسْنُ الْقَبُولِ وَمُضَاعَفَةُ الثَّوَابِ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ , حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُمَثَّلًا بِفِعْلِ مَنْ أَقْبَلَ نَحْوَ صَاحِبِهِ قَدْرَ شِبْرٍ فَاسْتَقْبَلَهُ صَاحِبُهُ ذِرَاعًا , وَكَمَنْ مَشَى إِلَيْهِ فَهَرْوَلَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ قَبُولًا لَهُ , وَزِيَادَةً فِي إِكْرَامِهِ , وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّوْفِيقَ لَهُ , وَالتَّيْسِيرَ لِلْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الأسماء والصفات للبيهقي (1/ 526)
قالَ ابن بَطّال: وصَفَ سُبحانه نَفسه بِأَنَّهُ يَتَقَرَّب إِلَى عَبده ووصَفَ العَبد بِالتَّقَرُّبِ إِلَيهِ ووصَفَهُ بِالإِتيانِ والهَرولَة كُلّ ذَلِكَ يَحتَمِل الحَقِيقَة والمَجاز فَحَملها عَلَى الحَقِيقَة يَقتَضِي قَطع المَسافات وتَدانِي الأَجسام وذَلِكَ فِي حَقّه تَعالَى مُحال فَلَمّا استَحالَت الحَقِيقَة تَعَيَّنَ المَجاز لِشُهرَتِهِ فِي كَلام العَرَب فَيَكُون وصف العَبد بِالتَّقَرُّبِ إِلَيهِ شِبرًا وذِراعًا وإِتيانه ومَشيه مَعناهُ التَّقَرُّب إِلَيهِ بِطاعَتِهِ وأَداء مُفتَرَضاته ونَوافِله ويَكُون تَقَرُّبه سُبحانه مِن عَبده وإِتيانه والمَشي عِبارَة عَن إِثباته عَلَى طاعَته وتَقَرُّبه مِن رَحمَته، ويَكُون قَوله أَتَيته هَرولَة أَي أَتاهُ ثَوابِي مُسرِعًا.
ونُقِلَ عَن الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ إِنَّما مَثَّلَ القَلِيل مِنَ الطّاعَة بِالشِّبرِ مِنهُ والضَّعف مِنَ الكَرامَة والثَّواب بِالذِّراعِ فَجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَبلَغ كَرامَته لِمَن أَدمَنَ عَلَى طاعَته أَنَّ ثَواب عَمَله لَهُ عَلَى عَمَله الضَّعف وأَنَّ الكَرامَة مُجاوزَة حَدّه إِلَى ما يُثِيبهُ الله تَعالَى.
وقالَ ابن التِّين القُرب هُنا نَظِير ما تَقَدَّمَ فِي قَوله تَعالَى: فَكانَ قاب قَوسَينِ أَو أَدنَى"فَإِنَّ المُراد بِهِ قُرب الرُّتبَة وتَوفِير الكَرامَة والهَرولَة كِنايَة عَن سُرعَة الرَّحمَة إِلَيهِ ورِضا الله عَن العَبد وتَضعِيف الأَجر، قالَ: والهَرولَة ضَرب مِنَ المَشي السَّرِيع وهِيَ دُون العَدو وقالَ صاحِب المَشارِق المُراد بِما جاءَ فِي هَذا الحَدِيث سُرعَة قَبُول تَوبَة الله لِلعَبدِ أَو تَيسِير طاعَته وتَقوِيَته عَلَيها وتَمام هِدايَته وتَوفِيقه واللَّهُ أَعلَم بِمُرادِهِ."
وقالَ الرّاغِب قُرب العَبد مِنَ الله التَّخصِيص بِكَثِيرٍ مِنَ الصِّفات الَّتِي يَصِحّ أَن يُوصَف الله بِها وإِن لَم تَكُن عَلَى الحَدّ الَّذِي يُوصَف بِهِ الله تَعالَى نَحو الحِكمَة والعِلم والحِلم والرَّحمَة وغَيرها، وذَلِكَ يَحصُل بِإِزالَةِ القاذُورات المَعنَوِيَّة مِنَ الجَهل والطَّيش والغَضَب وغَيرها بِقَدرِ طاقَة البَشَر وهُو قُرب رُوحانِيّ لا بَدَنِيّ، وهُو المُراد بِقَولِهِ إِذا تَقَرَّبَ العَبد مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبت مِنهُ ذِراعًا. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 513)