عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «قَالَ الْغَنِيُّ جَلَّ وَعَلَا: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» رواه ابن حبان [1] .
(1) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (2/ 106) (3508) (حسن)
ما يؤخذ من الحديث:
1 -استحباب تعجيل الفطر، وقد اتَّفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر، إذا تحقق غروب الشمس برؤيةٍ، أو بخبر ثقةٍ، أو غلب على ظنه الغروب.
2 -أنَّ تعجيل الفطر دليل على بقاء الخير عند من عجَّله، وزوال الخير عمن أخَّره.
3 -الخير المشار إليه هو اتباع السنة، ولا شكَّ أنَّه سبب خيري الدنيا والآخرة؛ ففي سنن أبي داود:"لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجَّل الناس الفطر؛ لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم"ونحوه في الصحيحين، فالشارع الحكيم يطلب من المسلمين ألا يشابهوا أهل الكتاب في عباداتهم، فتعجيل الفطر شعار يفرق بين صيام أهل الإسلام وأهل الكتاب، وبين سوء المخالفة، وحسن الاتباع والاقتداء.
4 -هذا الحديث من المعجزات النبوية؛ فإنَّ تأخير الإفطار هو طريقة بعض الفرق الضالة.
5 -قال ابن عبد البر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور صحيحة متواترة، وأجمع العلماء على أنَّ تعجيل الفطر، وتأخير السحور، سنة متبعة، حكاه الوزير ابن هبيرة، وجزم به الشيخ تقي الدين.
6 -قال تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، فهذا يقتضي أنَّ الإفطار عند غروب الشمس، فقد أجمعوا على أنَّ الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب، وأنَّ السنة أنَّ يفطر إذا تحقق الغروب، وأن له الفطر بغلبة الظن اتفاقًا، وذلك إقامة للظن مقام اليقين.
قال الشيخ تقي الدين: ومع الغيم المطبِق لا يمكن اليقين إلاَّ بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، ويفوت تعجيل الفطر، فعليه لا يستحب التعجيل مع الغيم إلى أن يتيقن الغروب، وكره الفطر مع الشك في غروب الشمس، ولا يكره السحور مع الشك في طلوع الفجر، إلاَّ الجماع.
7 -الأكل ونحوه مع الشك في طلوع الفجر جائز، والإفطار مع الشك في الشمس لا يجوز، وهو مبني على قاعدة شرعية عظيمة هي أنَّ:"الأصل بقاء ما كان على ما كان"؛ ففي السحور الأصل بقاء الليل، وفي الفطر بالأصل بقاء النهار.
8 -فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله، وأنَّ هذه المحبة الربانية تتفاوت، فأحبهم إليه أكثرهم لشرعه اتباعًا، ولأمره امتثالًا، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] .
الطوائف في المحبة ثلاث:
(أ) المعطلة: يقولون: إنَّ الله لا يُحَبُّ، وهؤلاء نفاة صفات الرب جلَّ وعلا.
(ب) الأشاعرة: يقولون: إنَّ الله يحبه خلقُه، ولكنه لا يُحب؛ لأنَّ إثبات المحبة له هو إثبات ميله إلى ما نفعه، أو عما يضره، والله منزَّه عن هذا، وهذا قول باطلٌ؛ لأنَّ هؤلاء شبهوا الله تعالى بخلقه، ثم عطلوه من صفاته.
(ج) أهل السنة والجماعة: يقولون إنَّ الله يُحِب ويُحَب، كما جاءت النصوص بذلك، ولكن محبته لشئ من الأشياء هي محبة لائقة بجلاله، ليست كمحبة المخلوقين، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } [الشورى] . توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 471)