عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً"رواه مسلم [1]
(1) - صحيح مسلم (1/ 117) 204 - (128)
الهمُّ: ترجيحُ قصد الفعل، تقول، هممتُ بكذا: أي قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب. قال ابن فارس: الهم: ما هممت به، وهممت بالشيء همًا من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله، ووقع لمسلم في رواية همام عن أبي هريرة بلفظ:"إذا تحدث"وهو محمول على حديث النفس، لتوافق الروايات الأخرى. قال الحافظ ابن حجر: ولكن ليس قيدًا في كتابة الحسنة، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، نعم ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه:"ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحرص عليها"وقد تمسك به ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث الباب في"صحيحه": المراد بالهم هنا: العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها. وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل. وقوله:"ولم يعملها"يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عمل القلب: فيحتمل نفيه أيضًا؛ إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهم كما في معظم الأحاديث، لا إن قيدت بالتصميم كما في حديث خريم، ويؤيد الأول حديث أبي ذر عند مسلم:"إنَّ الكف عن الشرِّ صدقة". وقوله في الحديث الأول:"كتبتها له حسنة"أي: لمن هم بالحسنة، ولم يعملها. وفي رواية البخاري: حسنة كاملة. ومعنى قوله:"كتبتها": أمر الملائكة الحفظة بكتابتها، بدليل ما في الحديث الثاني، والثالث، وما في رواية البخاري عن أبي هريرة في كتاب التوحيد بلفظ:"إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها"وفيه دليل عى أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي، إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علمًا يدرك به ذلك: ويؤيد الأول: ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني:"قال ينادي الملك: اكتب لفلان كذا، وكذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه. وقيل: بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن ابن معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة: ورأيت في شرح مغلطاي: أنه ورد مرفوعًا. قال الطوفي إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تتضاعف لعموم قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الانعام: 160] وأُجيب بمثل الآية على عمل الجوارح، والحديث الهم على المجرد، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة، وخالف هواه، ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولاسيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة: وإن كان الترك من الذي هم من قِبل نفسه، فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولاسيما إن وقع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير ألا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال، أفاده الحافظ ابن حجر في"فتحه"."
والضِّعف في اللغة: المثنى، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، قال الخليلي: التضعيف أن يزاد على أصل الشيء، فيجعل مثليه وأكثر، وكذلك من الأضعاف، والمضاعفة. وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب: المثل. هذا هو الأصل، ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد.
قال الحافظ: والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة فهم: أن المراد عشرون، ومن ذلك: لو أقرَّ بأن له عندي ضعف دِرهم لزمه درهمان. أو ضعفي درهم، لزمه ثلاثة.
وقوله:"وإذا همَّ بسيئة"... إلخ ظاهره: إطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، وقد جاء مقيدًا في صحيح البخاري من حديث الأعرج عن أبي هريرة، ولفظه:"إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها حتى يعملها، فإن عملها؛ فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي؛ فاكتبوها له حسنة".
ونقل القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه. ثم صوَّب حمل مطلقه على ما قيد في حديث أبي هريرة. قال الحافظ بن حجر: قلت: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدَّم: أن ترك المعصية كفٌّ عن الشر، والكف عن الشر خير. ويحتمل أيضًا أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كُتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا فيجد الباب مغلقًا ويتعسَّر فتحه. ومثله: من تمكن من الزنى مثلًا، فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا. ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعرض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه بلفظ:"إنما الدنيا لأربعة"فذكر الحديث، وفيه"وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يرى لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا، ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا؛ لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء"فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتُحمل الحالة الأولى على مَنْ همَّ بالمعصية همًا مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك، وأصرَّ عليه. وهو موافق لما ذهب إليه الباقلاني، وغيره، قال المازري: ذهب ابن الباقلاني -يعني: ومن تبعه- إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووطَّن عليها نفسه: أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفوعمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب، ولا يستقر. قال المازري: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، ونقل ذلك عن نص الشافعي، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همَّام عنه بلفظ:"فأنا أغفرها له مالم يعملها". فإن الظاهر: أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به، وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، لا السيئة التي هم أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصرها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية. ومما يدل على ذلك حديث"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"والذي يظهر: أنه من هذا الجنس، وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسًا. وهنا قسم آخر، وهو أن من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثم هم أن يعود إليها؛ فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران: 135] ويؤيده: أن الإصرار معصية إتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمَّم عليها كُتبتْ عليه سيئة، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية. قال النووي: وهذا ظاهر حسن لامزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] الآية، وقوله: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] وغير ذلك.
وقال ابن الجوزي: إذا حدث نفسه بالمعصيةلم يؤاخذ، فإن عزم، وصمم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب. قال: والدليل على التفريق بين الهم والعزم: أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع. فإذا صمم على قطعها بطلت. وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها: أن يخطر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوعنها، وهو دون التردد. وفوقه: أن يتردد فيه، فيهُم به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهم به، ثم يترك كذلك، ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضًا. وفوقه: أن يميل إليه، ولا ينفر عنه، لكن بل لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفى عنه أيضًا.
وفوقه: أن يميل إليه، ولا ينفر عنه بل يصمم، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين:
"القسم الأول"أن يكون من أعمال القلوب صرفًا، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يبحه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم، ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد.
وفي بعض هذا خلاف؛ فعن الحسن البصري: أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدة النفس على تركه.
"والقسم الثاني"أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنى، والسرقة، فهو الذي وقع فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبل، فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال: علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها، وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء، بل قال فيه: ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع:"إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به، أو تكلم"على الخطرات، كما تقدم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصةً بنحو الهم، والغم، وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضًا، واستدلوا بحديث النجوى الماضي شرحه في باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب الأدب، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم، لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ذكره السدّي في تفسيره عن مرَّة، عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك: أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همَّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتعقب هذا البحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن هم بمعصية لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى! نعم من هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلًا عن قصد الاستخفاف.
وهذا تفصيل جيد، ينبغي أن يستحصر عند شرح حديث:"لا يزني الزاني وهو مؤمن".
وقال السبكي: الكبير الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس وحديث النفس لا يؤاخذ به لحديث الباب. والعزم -وهو قوة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردد - قال المحققون: يُؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجَّ بقول أهل اللغة: هم بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلة الأول حديث:"إذا التقى المسلمان بسيفهما ..."الحديث، وفيه:"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"فعلل بالحرص. واحتج بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين: أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه، والثاني يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح إشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا، انتهى. ولا يلزم من قوله:"فالقاتل والمقتول في النار"أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق. والله أعلم. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 22)