عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ: «وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .رواه ابن حبان [1] .
9 -وجوب حسن ظن العبد بربه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"متفق عليه [2]
(1) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (1/ 181) (640) (صحيح)
(2) - صحيح البخاري (9/ 121) (7405) وصحيح مسلم (4/ 2061) 2 - (2675)
[ش (أنا عند ظن عبدي بي) أجازيه بحسب ظنه بي فإن رجا رحمتي وظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك لأنه لا يرجوه إلا مؤمن علم أن له ربا يجازي. وإن يئس من رحمتي وظن أني أعاقبه وأعذبه فعليه ذلك لأنه لا ييأس إلا كافر. (معه) بعوني ونصرتي وحفظي. (ذكرته في نفسي) أي إن عظمني وقدسني ونزهني سرا كتبت له الثواب والرحمة سرا وقيل إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام. (ملأ) جماعة من الناس. (ملأ خير منهم) جماعة من الملائكة المقربين وهم أفضل من عامة البشر. (شبرا) مقدار شبر وهو قدر بعد ما بين رأس الخنصر ورأس الإبهام والكف مبسوطة مفرقة الأصابع. (ذراعا) هي اليد من كل حيوان وهي من الإنسان من المرفق إلى أطراف رؤوس الأصابع. (باعا) هو مسافة ما بين الكفين إذا بسطتهما يمينا وشمالا. (هرولة) هي الإسراع في المشي ونوع من العدو وهذا والذي قبله مجاز عن قبوله سبحانه وسرعة إجابته للعبد ومزيد تفضله عليه]
معنى الحديث: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل"أنا عند ظن عبدي بي"قال الحافظ: أي أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به، وهذا خاص بالعبد المؤمن،"فإن ذكرني"بالتسبيح والتهليل أو غيره"في نفسه"أي منفردًا عن الناس"ذكرته في نفسي"أي ذكرته بالثواب والرحمة في نفسي دون أن أطْلِع على ذلك أحدًا من ملائكتي"وإن ذكرني في ملٍأ"أي في جماعة من الناس"ذكرته في ملٍأ خير منهم"وهم الملائكة"وإن تقرّب إلى بشبر"أي وإن تقرب إلي بالطاعات مقدار شبر"تقربت إليه ذراعًا"أي تقربت إليه بالرحمة والإِنعام مقدار ذراع"وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت إليه باعًا"أي مقدار باع"وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"أي وإن أتاني بالطاعات ماشيًا أتيته بالرحمات مسرعًا، قال في"المصباح"هرول أسرع في مشيه، وهو بين المشي والعدو.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في حسن الظن في الله تعالى، قال الكرماني: في السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على جانب الخوف، وهو كما قال المحققون من أهل العلم: خاص بالمحتضر، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله"أخرجه مسلم. وأما قبل الاحتضار فقد اختلف العلماء أيهما أفضل الخوف أم الرجاء على ثلاثة أقوال: (أ) الخوف أفضل (ب) الرجاء أفضل، (ج) الاعتدال أفضل، وقد قيل: الخوف والرجاء جناحا المؤمن، ومعنى حسن الظن بالله كما قال القرطبي: ظن القبول عند التوبة، والإِجابة عند الدعاء، والمغفرة عند الاستغفار، والثواب عند فعل العبادة بشروطها، تمسكًا بصادق وعده، ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم:"ادعو الله وأنتم موقنون بالإِجابة". اهـ. ثانيًًا: إثبات أن لله تعالى"نفسًا وذاتًا"لقوله تعالى:"ذكرته في نفسي"وهو ما تنكره الجهمية، حيثَ يقولون: إن الله ليس بشيء ولا حي، قال ابن بطال:"والمراد بنفس الله ذاته"والذي عليه أهل السنة أن لله ذاتًا موصوفة بصفات الكمال، قال في"شرح الطحاوية": وليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال، وقال ابن بطال: أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب. أحدها: يرجع إلى ذاته وهو الله.
والثاني: يرجع إلى صفة قائمة به كالحي. والثالث: يرجع إلى فعله كالخالق وطريق إثباتها السمع. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 372)