تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا».رَواهُ البُخَارِيُّ [1] .
(1) - صحيح البخاري (6/ 19) (4482)
[ش (كذبني) نسب إلي ما هو خلاف الحقيقة والواقع. (شتمني) وصفني بما لا يليق بي (فسبحاني) أنزه نفسي. (صاحبة) زوجة]
في هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى لما أغضبه إنكار من أنكر البعث بعد الموت فقال سبحانه: (كذبني) فزعم أني لا اٌقدر على إعادته (ولم يكن له ذلك) يعني جل جلاله: أن إيجادي لقائل هذا القول هو دليلي عليه، فنسي نفسه وشده عن حاله وأذهله باطله حتى جحد ما هو بعينه البينة فيه.
* وأيضًا فلأن من أنكر البعث فقد أعظم الفرية على الله عز وجل من وجوه:
-منها أنه نسب جلال الله المقدس المنزه المكرم عن كل سوء إلى ما لا يرضى به غواة السفهاء من كونه يجعل عاقبة المسلم كعاقبة المحرم، ومال الذين اجترحوا السيئات، كمال الذين عملوا الصالحات. وقد قال سبحانه: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} أي أنهم بعد الموت يستوون في أن لا يعودوا. فقال جل جلاله: {ما لكم كيف تحكمون} أي كيف تحكمون بهذا القول على عدل الله وإنصافه، وأنه جل جلاله قضى في الجزاء لكل محسن بإحسان فقال: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ، وقال: {فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} ، ولو كان ما تخيله هؤلاء الكفار من لا بعث لكان المصلح والمفسد مستويي العاقبة، بل كان يفضل المفسد على المصلح بما استسلف من نيل شهواته وإنفاذ مآربه إلى غير ذلك.
-ومنها أن الله سبحانه وتعالى جعل القيامة مظهرة من قدرته لما لا يظهر إلا بذلك؛ فإنه سبحانه وتعالى لما أنكر المنكرون بعثه سبحانه الأجسام بعد كونها عظامًا ورفاتًا - اقتضت حكمته أن يغضب لقدرته غضبة انتصار لها بحيث يزجر الوجود زجرة فيعود كل ما كان قد اقتطعته أيدي الفناء وتملكته صولة التلاشي، زجرة واحدة فإذا الخلائق منذ لدن آدم إلى حين قيام الساعة من جهنم وإنسهم فكل دابة وطاير يطير بجناحيه ونفس منفوسة وشيخ فان وصبي رضيع وسخلة لشاة وفصيل لبعير أو سقط ألقته أمه خداجًا أو حمل في بطن، وما كان من ذلك من طائر أكله آدمي ثم أكل الآدمي أسد ثم أكل الأسد أسود ثم ماتت الأسود فأكلتها السمك في الآجام ثم أكل الآدميون السمك ثم هكذا في التغلغل والتداخل، فإذا الكل زجرة واحدة قيام ينظرون يتعارفون بينهم؛ فحينئذ يثبت لأهل الإيمان بقدرة الله عز وجل عند مشاهدتهم هذا منها ما لم يكن قبل ذلك، وترى المؤمنين من فرح لذتهم بالظفر منهم بأعدائهم المنكرين لذلك، وأنهم كانوا ملومين عند الكفار فيقولون حينئذ بألسن أحوالهم: ذلكم الله الذي أرغمناكم فيه.
-ومنها أن الله سبحانه وتعالى أنزل في نص كتابه من الآيات ما استحل بها سبحانه وتعالى على عباده ووثق بها من نفسه عز وجل بمواثيق إذا فهمها عبد مؤمن استحيا أن يخطر في قلبه غير تجريد الإيمان بها كقوله: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} ثم تتبع ذلك قوله: {ومن أصدق من الله حديثًا} ، وكقوله سبحانه: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلي وربي لتبعثن} الآية إلى آخرها. وقوله عز وجل: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} .
وهذه كلها أقسام وأيمان فمن زعم من الخلق أن لا بعث فقد زاد على التكذيب بالقول إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم بما يزعم الكافر أنه لا يبر قسمه سبحانه وتعالى فيه.
-ومنها: أن القيامة وعد للمؤمنين، وإن تضمنت وعيدًا للكافرين، فإنه داخل في إنجاز وعد المؤمنين؛ لأنهم إنما عادوهم في الله عز وجل فكيف ينسب ناسب خالق السماوات والأرض الذي لا يجوز عليه اضطرار أو حاجة إلى خلاف وعده لعباده المؤمنين، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
* ثم قال عز وجل: (وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك) زعم أن لي ولدًا (فسبحاني) أي تنزهت (أن أتخذ صاحبة ولا ولدًا) ، لأن اتخاذ الصاحبة يكون لأهل النقص لمن يموت فيكون خلفًا منه وأما الحق سبحانه فلا نقص عنده ولا خلف منه. فهذا القول هو الذي {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدًا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا (92) إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدًا} أي إن الإحصاء والحصر والعد لسواه سبحانه وتعالى عن الأجسام والخلق. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 109)