عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: المُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ"رَواهُ التِّرمِذيُّ [1] .
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 598) (2390) صحيح
قوله:"يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ، وَالشُّهَدَاءُ"الغِبطة: تمني نعمة تَكُونُ على الغير، بشرط ألا تتحوَّلَ عَنْهُ، عكس الحَسد فإنَّه تمني نعمةً تكونُ على الغير مع تمني زوالها عنه، قال ابن الأثير:"الغَبْط: حَسَدٌ خاصٌ. يُقالُ: غَبَطْتُ الرجُل أَغْبِطُه غَبْطًا إذا اشْتَهَيَتْ أن يكُونَ لك مِثْلُ مالَه وأن يَدُومَ عليه ما هُو فيه. وحَسَدْتُه أحْسُدُه حَسَدًا إذا اشْتَهَيْتَ أن يكونَ لك مالَه وأنْ يَزُول عنهُ ما هُو فيه".
وقال في القامُوس:"حُسْنُ الحالِ والمَسَرَّةُ، وقد اغْتَبَطَ والحَسَدُ كالغَبْطِ وقد غَبِطَهُ كضَرَبه وسمِعَه وتَمَنَّى نِعْمَةً على أن لا تَتَحَوَّلَ عن صاحِبِها". انظر: النهاية في غريب الحديث (3/ 339) ، والقامُوس المُحيط (877) ، مادة (غبط) .
المتحابون: المتوادون، والتحابب: التوادد، وتحابوا: أحب بعضهم بعضًا. والجلال: التناهي في عظم القدر، وخصَّ بوصف الله سبحانه وتعالى بقوله:"ذو الجلال والإكرام"ولم يستعمل في غيره. والمنابر: جمع مِنبر، معروف. وقوله:"يغبطهم"من الغبطة بكسر أوله وسكون ثانيه. يقال: غبطت الرجل، أغبطه، غبطًا: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ما هو فيه، فالغبط حسٌّ خاص مقبول. والنبيون: جمع نبي، وهو بشر أوحي إليه بشرع يعمل به، فإذا أمر بتبليغه فيكون رسولا أيضًا. والشهداء: جمع شهيد، وهو في الأصل من قتل مجاهدًا في سبيل الله، ثم اتسع فيه، فأطلق على من سماه النبي - صلى الله عليه وسلم: من المبطون، والغريق، والحريق، وغير ذلك. والظل: الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس أي شيء كان. وقيل: هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس، وما كان بعده فهو الفيء. والعرش في الأصل شيء مسقف، وعرش الملك: سريره. ويطلق أيضًاعلى معانٍ أخر منها: عرش البئر: طليها بالخشب، وعرش السماء، والملك، والسلطان، والعز، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته. والمعنى -والله أعلم-: أن الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته. والمعنى -والله أعلم-: أن المتحابين في جلال الله؛ أي: المخلصين في المحبة لله، لا لحظٍّ دنيوي، ولا أخروي.
والمتحابون في الله على ثلاثة أنواع، الأول: إما أن يكون الشخصان تحابا في الله جل علاه مع رجاء حطام في هذه الدار معنويًا كان، أو حسيًا، فهذا طالب حاجة، وهمته في دنياه، فليس له إلا حاجته قضيت، أو لم تقض، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"من كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إمرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"والثاني: أن تكون صحبته لله مع رجاء حظ أخروي حسًا كان، أو معنى، فهذا أيضًا طالب حاجة، لكن نفسه أرفع من الأول، وهو الأكثر عند المنتسبين للخير، فله حاجته قضيت، أو لم تقض. والثالث: الذي تكون صحبته لله ليس إلا، فهذا الذي يصدق عليه اسم المتحابين في الله على حقيقة اللفظ. وإذا كان كذلك لا يغيره من أخيه شيء يصدر له منه. وإذا كان على غير هذا الوجه قلما يثبت عند الامتحان، فإذا كانت نية أحدهما لله، ونية الآخر لغير ذلك، فلكل امرئ ما نوى. فإذا كان ذلك كذلك؛ فينصب لهم يوم القيامة منابر من نور، يقفون عليها، فينظر إليهم أهل الموقف، فيغبطهم على مقامهم هذا الأنبياء، والشهداء ويكونوا في ظل عرش الربِّ تبارك، وتعالى يوم لا ظل يقي الإنسان من السوء إلا ظل المولى جل جلاله، فهذا مما نؤمن به، ونصدق بالأخبار الواردة فيه، والكيفية لا مجال للعقل فيها.
فإن قيل: إن الظلال كلها لله سبحانه وتعالى ملك في الدنيا والآخرة، فما الحكمة في الإخبار بهذه الصيغة هنا؟ فالجواب: أن ظلال الدنيا وإن كانت له جل جلاله فمنها ما قد جعلها عز وجل ملكًا للعبيد، تملكوها بحسب ما شرع لهم ذلك، لا يتصرف فيها أحد إلا برضاهم حكم منه لذلك، مثل ظلال الحدائق الممتلكة، وظلال الله عز وجل لم يجعل لأحد عليها ملكًا، فمن احتاج إلى شيء منها أخذها دون عتب له على ذلك، مثل الظلال التي في الفقر، أو التي خرج أصحابها عنها لله عز وجل، وسبلوها له. وظلال الآخرة ما فيها مباح بل كلها قد تملكت بالأعمال. والله أعلم. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 114)