فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 61

الحمد لله الذى نور بكتابه القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغتُه البلغاء، وأعجزت حكمتُه الحكماء، و أبكمت فصاحتُه الخطباء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، معلم الحكمة، وهادى الأمة، أرسله بالنور الساطع، والضياء اللامع، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار.

أما بعد:

فإن أولى ما أُعملت فيه القرائح الفحصُ عن أسرار التنزيل، والكشفُ عن حقائق التأويل، فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكَم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذى ليس بالهزل، وهو ما بقى من وحى في هذه الدنيا، سراج لايخبو ضياؤه، بهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول، ما شانه نقص، ولا شابته زيادة، فهو بحفظ الله مصون، وبقاء هذا القرآن هو العزاء الوحيد عن ضياع مواريث النبوات الأولى، فقد استوعب زبدتها 0

والحياة مع كتاب اللّه نعمةٌ يدركها من أنعم الله بها عليه، وما أسعد الفرد المسلم إذا جعل هذا الكتاب إمامه، فاهتدى بهديه بعد أن تدبر آياته، وما أسعد المجتمع الذي يجمع مثل هذا الفرد! وما أشد بؤس الذين حرموا أنفسهم من هدايته فتخبطوا في حياتهم يمنة ويسرة، وانتهوا إلى ضياع أعمارهم وضياع دنياهم وآخرتهم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} . [1]

القرآن جاء على قواعد البلاغة:

لقد جرت عادة العرب على استخدام أسلوب التكرار، محاولة منهم للتنبيه على مزيد عناية ووافر اهتمام بأمور مهمة، وما أجمل ما قالت الخنساء وهى ترثى أخاها صخرا:

وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... *** ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار

وإن صخرا لتأتم الهداة به ... *** ... كأنه علم في رأسه نار [2]

(1) الكهف 103 - 106

(2) انظر الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى 4/ 155، والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسى 1/ 356

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت