آراء العلماء في قضية تكرار القصص القرانى:
وقبل أن نترك هذا المقام لغيره يجدر أن نعرض لآراء بعض العلماء الذين اشتغلوا بهذه القضية , وباتوا على تنقيحها وأنتجوا فكرا متجددا , يوضح لنا رؤية جديدة في التعامل مع نصوص القرآن الكريم 0
ومن هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم جنودا لكتاب الله يذبون عنه ويدفعون , ويجلونه ويقدمونه للناس تقديما علميا جديرا بالاهتمام والمدارسة إمام من أئمة أهل السنة وهو اللغوي ابن قتيبة حيث يقول رحمه الله:"وأما تكرار الأنباء والقصص فإن الله تعالى أنزل القرآن نجوما في ثلاث وعشرين سنة بفرض بعد فرض , تيسرا منه على العباد , وتدرجا لهم إلى إكمال دينه ووعظ بعد وعظ، تنبيها لهم من سنة الغفلة , قال تعالى"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" [1] "
ثم يستطرد ابن قتيبة في بيان حكمة تكرار القصص في القرآن الكريم فيقول:"وكانت وفود العرب ترد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا لهم , وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة , فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناه ومتكررة , لوقعت قصة موسى إلى قوم , وقصة عيسى إلى قوم , وقصة نوح إلى قوم , وقصة لوط إلى قوم , فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع , ويثبتها في كل قلب , ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير، وقد أخبر الله عز وجل عن السبب الذى من أجله كرر القصص في القرآن الكريم فقال:"وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [2] 0"
وقال تعالى:"وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا" [3]
ثم يطالعنا الإمام الزركشى برأي قريب من هذا، فبعد أن أوضح أن التكرار أسلوب من أساليب العرب, وأن الكلام حينما يكرر , فإنه في النفوس يقرر , وعاب على الذين ينكرونه , يتطرق بعدها إلى مواضع التكرار في القصص القرآنى وعلى أى وجه يحمل، ويطبق كلامه على قصة موسى عليه السلام مع فرعون كمثال لتكرار القصة في القرآن فيقول:"وإن ظُن أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة أو نقصان وتقديم أو تأخير , وتلك حال المعانى الواقعة بحسب تلك الألفاظ , فإن كل واحدة لابد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه , لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها , فكأن"
(1) الفرقان 32
(2) القصص 51
(3) طه 113، وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 232_234